تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

يقول رشيد رضا واصفا الحقبة التي سبقت سفر المغربي إلى القاهرة سنة 1905: ولما اشتد اضطهاد الحكومة الحميدية للأحرار، وأصحاب الأقلام والأفكار، وأسرفت في إيذاء قراء المنار، كان نصيب صاحبي ونصيب آخرين من أهل العلم والفضل السجن، فلما أنقذه الله تعالى منه هاجر إلى مصر، فسألت شيخنا الأستاذ الإمام أن يجعله كاتبا للإفتاء عنده، فارتاح لذلك واستكتبني مذكرة لوزارة الحقانية في ذلك، وهو في سرير المرض الذي توفاه الله تعالى فيه؛ لأنه تعالى قدر أن يكون هذا الرجل كاتبا اجتماعيا لا قاضيا ولا كاتبا شرعيا. وهو لو لم يكن موطنا نفسه على هذا العمل، ولا شاعرا بقوة استعداده له، حتى إنه لما دعي إلى الكتابة في الجرائد المصرية استشارني في الموضوعات التي ترجى فائدتها وتلقيها بالقبول، وفي الأسلوب الذي يحسن اختياره، ولعله ما أبهم إمضاءه «المغربي» فلم يصرح باسمه إلا لأن شعوره باستعداده كان دون قوته، كما هو شأن طلاب الكمال الذي لا حد له بعد أن يصيبوا حظا عظيما منه، وأما الناقصون المغرورون، فإنهم يتيهون عجبا بكل ما يخطونه

11

والحق أن المغربي لو سلك سبيل القضاء والوظائف الرسمية لضاع في ذلك الخضم، ولكن انصرافه إلى الكتابة جعل منه فردا من بناة حركتنا الإصلاحية، وقد كان في القاهرة يحرر في جريدتي «الظاهر» و«المؤيد» حتى عرفه الناس على الرغم من توقيعه مقالاته بتواقيع مستعارة، إلى أن انزاح كابوس الظلم الحميدي عن البلاد الشامية بعد إعلان الدستور العثماني سنة 1908م فرجع إلى بلدة طرابلس الشام سنة 1909م.

أخذ المغربي بعد اتصاله بالأفغاني ومحمد عبده يجهر بضرورة الإصلاح الديني والاجتماعي، والتنبيه إلى تأخر المسلمين ولزوم إحداث انقلاب ديني اجتماعي يعود بالمسلمين إلى بساطة الدين وأصوله الثابتة، كما كان يجهر بانتقاد الطريقة التي كان عليها رجال العهد الحميدي في إدارة البلاد العثمانية وأسلوبهم في الحكم مما أخر المسلمين عن أمم الأرض، وكانت رسائله بهذا الشأن لا تنقطع إلى الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا، الذي سبقه في السفر إلى مصر عام 1315ه، وقد عثرنا على بضعة أبيات من قصيدة كان المغربي نظمها، يخاطب بها السلطان عبد الحميد، وينتقد سياسته الداخلية انتقادا شديدا وإهماله إصلاح أحوال المسلمين من رعيته وهي قوله:

بلغ أمير المؤمنين نصيحة

تبغي القبول ولا تريد ثوابا

قبر تعمره ببدرة عسجد

وتعيد عمران البلاد خرابا

12

تكسو الدعي الحلة البيضاء إذ

تكسو الشعوب من السواد ثيابا

تجبي الضرائب من فقير مملق

تغني بها المتملق الخلابا

تقصي إلى الأطراف كل محنك

وتبيت تدني النوك والأوشابا

كم من بريء صادق حكمت في

حوبائه المتجسس الكذابا

بل هذه الخصيان كيف تقدمت

بيض الفحول السادة الأنجابا؟

ضيعت ملكك وامتهنت رجاله

فعلام تحوي التاج والألقابا؟

ثم إن الحكومة الحميدية لم تجد بدا من اعتقاله، فأوعزت «سلطات المابين» في الآستانة بذلك إلى خليل باشا البكدشلي والي بيروت، فحضر إلى طرابلس بنفسه، واعتقل المترجم في أوائل عام 1322ه/1904م ليلا، ثم ساقه إلى بيروت ليلا تحت حراسة شديدة خوفا من هياج الرأي العام وأقارب المترجم، وهم كثيرون، وقد بقي موقوفا عدة أشهر في «دائرة البوليس» بسراي البرج، ثم إن الحكومة وضعت يدها على مكتبته وأوراقه، وأخذ الوالي بنفسه يمعن فيها بحثا وتنقيبا، ولكنها في نهاية الأمر أعادت إليه بعضها بعد خروجه من المعتقل، ولما أفرج عنه بعد أشهر، واتصل ذلك بعلم الأستاذ الإمام الشيخ عبده استدعاه إلى مصر، وقدم إلى وزارة مصطفى فهمي باشا طلبا بتسميته كاتب فتوى لديه، وحين وجد المغربي أنه لم يعد في وسعه البقاء في البلاد العثمانية تحت هذه المراقبة الشديدة من رجال عبد الحميد استطاع الإفلات والسفر خلسة إلى قبرص في الباخرة الخديوية ومنها إلى مصر، فبلغها في 17 ربيع الثاني 1323ه الموافق 20 يونيو 1905م، ولكن المنية كانت قد عاجلت المفتي الشيخ محمد عبده بعد وصوله إليها بقليل، فعكف على الاشتغال بالصحافة محررا في جريدة الظاهر التي كان يصدرها المحامي المشهور إذ ذاك «محمد بك أبو شادي»، ثم دعاه الشيخ علي يوسف للمشاركة في تحرير «جريدة المؤيد» خلفا للمرحوم السيد عبد الحميد الزهراوي، فاتسع له فيها المجال لنشر فكرة الإصلاح الديني والاجتماعي، ونقد أوضاع المؤسسات الدينية ومنها الأزهر الشريف، وقد كتب عشرات المقالات في هذا الموضوع وفي البحوث الدينية واللغوية والأدبية الأخرى، وظل يحرر في «جريدة المؤيد» إلى أن أعلن الدستور العثماني سنة 1908م، فعاد إلى سورية في عام 1909م، وواصل الكتابة في «المؤيد» والصحف المصرية الكبرى كاللواء، والشعب، والعلم، ومجلة الهداية وبعض صحف بيروت، ومما نشره في المؤيد يومئذ مقال بعنوان «حجاب المرأة في الإسلام»، تناقلته عنها الصحف السورية، وكان له تأثير عميق في البلاد، وحمل عليه المحافظون من أجله حملات منكرة.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ٩