تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ، بينما كان والدي رحمه الله، بسبب تربيته الأزهرية، لا يسمح لي في أن أنحو هذا النحو في النظر والتدقيق وإعمال الفكر في التفريق بين النصوص الدينية.

غير أني لما اتصلت بالسيد الأفغاني، وأنعمت النظر في دراسة تعاليمه، انتقلت في حياتي الفكرية إلى الدور الثالث أو الطور الثالث، وهو أن نفهم النص الديني فهما صحيحا، مراعى فيه قوانين اللغة، وقواعد بلاغتهما، ونستوثق من مطابقة النص للكتاب والسنة، ثم نجرأ على التصريح بما فهمنا من النص سواء أوافق رأي غيرنا أم لا. وقد اقتبسنا هذه الطريقة في الفهم من أقوال السيد الأفغاني وتعاليمه المروية المبثوثة في العروة الوثقى أولا، ثم في سائر ما علق بكفنا من كتاباته وكتابات تلميذه الشيخ محمد عبده ثانيا، فالأساس الذي بقي عليه الإصلاح الديني إذن هو تمييز نصوص الدين والحرص على فهمها فهما حرا، مستندا إلى قواعد اللغة العربية وقوانين بلاغتهما، ثم الجرأة في الدعوة إلى الصحيح المعقول من تلك النصوص، واطراح الباطل الدخيل عليها، والجهر بذلك كله من دون جمجمة في قول أو تقية من ذي صول.»

3

والحق أن شيخنا قد مر في دراساته بأطوار أو أدوار ثلاثة:

أولها:

دور الدراسة المنزلية في طرابلس أو الدراسة في المدرسة السلطانية ببيروت سنة (1300ه/1882م)، وقد كان فيه محافظا أشد المحافظة، تلقى فيه علوم الدين الأولية، وحفظ ما حفظ من آي الذكر الحكيم والحديث النبوي الشريف، وبعض المتون الدينية واللغوية والكلامية، وكان في هذا الدور طالبا مستسلما إلى كل ما يسمع، حافظا لكل ما يقال له دون أن يناقش أو يتردد أو يرتاب.

وثانيها:

دور حرية الفكر وانطلاقه ومحاكمة ما يسمع، وهو الدور الذي اتصل فيه بالشيخ حسين الجسر (1845-1909م)، وكان الشيخ الجسر هذا عالما فاضلا واسع الاطلاع على الثقافة الإسلامية، تلقى علمه في الأزهر على كبار شيوخه، ثم رجع إلى بلده طرابلس، وكان ذا نزعة إصلاحية، فرأى ما عليه المسلمون من الجهل بحقيقة الدين، وقواعد العقيدة الإسلامية الصحيحة، فعمد إلى تأليف الرسائل الصغيرة ونشر المقالات المفيدة، مقوما اعوجاج العقائد، وعاملا على نشر الإسلام الصحيح، ومن أشهر ما خلف لنا في ذلك كتاباه اللطيفان: «الحصون الحميدية» و«الرسالة الحميدية» في تبيين العقيدة الإسلامية السلفية النقية من الأوضار والضلالات، وقد كان واسع الاطلاع على العلوم الطبيعية والفلسفية فزاده ذلك رسوخا في فهم الدين وتنقيته مما علق به. وقد اتخذ الشيخ الجسر تلاميذه وكتبه جريدة «طرابلس الشام» وسائط لنشر دعوته الإصلاحية، وكان الشابان النابغان الطرابلسيان عبد القادر المغربي ورشيد رضا ألمع تلاميذه وأكثرهم استفادة من طريقته.

وثالثها:

دور التعمق في الدراسة والمناقشة والبحث، وهو الذي اتصل فيه بجريدة «العروة الوثقى» التي كان يصدرها في باريس الإمامان الأفغاني ومحمد عبده، واسمعوه يتحدث إليكم عن أول صلته بالإمامين وجريدتهما فيقول:

أول ما فوجئت باسم جمال الدين كنت تلميذا في المدرسة السلطانية، التي أمر بإنشائها في بيروت الوالي حمدي باشا سنة 1300ه/1882م، وكان ناظر المدرسة يومئذ الشيخ أحمد عباس الأزهري، المشهور في بلاد الشام بعلمه وفضله والتهاب وطنيته، رأيت يوما الشيخ أحمد بين الطلاب، وهم في ساحة المدرسة يرتعون ويلعبون وحوله طائفة منهم، وبيده جريدة يشير بها إليهم، وسمعته يقول لهم وقد سألوه عنها: إنها «العروة الوثقى»، يصدرها السيد جمال الدين الأفغاني، ويساعده في تحريرها صديقي الشيخ عبده المصري، وأفاض الشيخ أحمد في وصف «العروة»، والغرض من إنشائها ووصف الرجلين وعلو مكانتهما، وبدرت منه التفاتة، وإذا تلميذان صغيران يمران أمامه، فأشار إلى أحدهما وقال: هذا ابن الشيخ عبده، وأشار إلى الآخر قائلا: وهو أخوه حمودة، وكنت لا آبه بهذين التلميذين ولا أرتاح لرؤيتهما، فصرت من يومئذ أنظر إليهما بإجلال وأحب التقرب منهما والحديث إليهما، ورجعت إلى طرابلس الشام من المدرسة السلطانية عام 1301ه حاملا إلى صديقي الشيخ رشيد رضا صاحب المنار رحمه الله خبر «العروة الوثقى» ومنشئها، وأخذت أبحث عن أعدادها، وكانت ثمانية عشر عددا مبعثرة لدى بعض فضلاء طرابلس الذين كانت تأتيهم عفوا أو بطلب منهم، فجعلت ألتقطها من عندهم لأنسخها وأعيدها إليهم، وكان شريكي في هذا الحرص الشيخ رشيد، وكان هو ينسخ إليهم من مقالاتها، أما أنا فكنت أنسخها بقلمي من ألفها إلى يائها، ثم جمعت كراريسها في مجلد،

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ٧