وقال «حمارة الحر صبارة البرد»؛ أي شدتهما، يشددون ميم «حمارة» وباء «صبارة» ويخففون راءهما، وهو خطأ من فعلهم والصواب العكس؛ أي تخفيف الميم والباء وتشديد الراء فيهما، وقيل بجواز ما قالوا.
5
هذا نمط من مباحث «عثرات اللسان» وللمغربي مباحث ومقالات عديدة نشرها في مجلات مجامع مصر والشام والعراق كلها تنطق عن تعمقه في مباحث اللغة، وتبين حرصه الشديد على حمايتها من عبث العابثين.
وله في مباحث اللغة دراسات طويلة وآراء صائبة في القضايا اللغوية لا يتسع المجال للإفاضة فيها، فمن ذلك رأيه في أن كثيرا من الكلمات الرباعية والخماسية يمكن إرجاعه إلى كلمتين ثلاثيتين بسهولة، فقد تبين أن تكون تلكم الكلمات في لغة العرب إنما كان بوساطة ما سماه «الاشتقاق النحتي»، فكلمة «دحرج» منحوتة من «دحره فجرى»، وكلمة «هرول» من «هرب وولى» و«خرمش» من «خرم وشوه» وما إلى ذلك من المباحث التي تدل على عمق تفكير وسعة اطلاع، ولقد عرف فضله في هذا الباب المرحوم الشيخ محمد عبد المطلب الشاعر المصري الفحل، فقال فيه من قصيدة بمدحه عام 1909م، ويعتذر عن عدم تمكنه من توديعه حين مغادرته مصر إلى الشام :
فهل مبلغ أشواق مصر وأهلها
نسيم يوافي «المغربي» فيسمعا
أقام بها حينا من الدهر لم يكن
سوى البحر فياضا سوى الليث أروعا
له قلم يعلو به الحق إن جرى
وكان به «يحلو» المؤيد مشرعا
إذا استله في المعضلات رأيته
به الله تبيان الحقائق أودعا
ثوى بيننا في سيرة نبوية
نشم لها روحا من المسك أسطعا (3) الأخلاق والواجبات
انصرف المغربي بعد تركه نشاطه السياسي الذي كان يزاوله في العهد العثماني، وبخاصة خلال الحرب العالمية الأولى، إلى التأليف العلمي الهادئ، وكان كتاب «الأخلاق والواجبات» أول ثمرات هذه الفترة من حياته، وهو مؤلف إصلاحي اجتماعي ألفه حينما رأى (أن المكتبة الإسلامية - على وفرة ما حوته من الكتب والأشعار المؤلفة في الفنون المختلفة - لم يكن فيها من المؤلفات المترجمة للأخلاق، الخاصة على الآداب، المرغبة في الفضائل. وإذا تساءلنا عن كتب الأخلاق المتداولة بيننا اليوم لم نكد نعد منها سوى «كتاب الأخلاق» لابن مسكويه، و«أدب الدنيا والدين» للماوردي و«الجزء الرابع من إحياء الإمام الغزالي». إن الكتب الثلاثة التي ذكرناها هي نفسها، لا يكاد يفهمها أو يستفيد منها إلا أفراد قلائل أيضا، وكتاب ابن مسكويه احتذى فيه مثال الحكماء والفلاسفة وسلك طرائقهم في البيان والشرح وما لنا ولما قاله أولئك الحكماء الأقدمون وهذا قرآننا وحديث نبينا
صلى الله عليه وسلم
تضمنا من روائع الحكم في الفضائل والآداب والحث على مكارم الأخلاق ما يبذ القائلين، ويفي بحاجة المحتاجين، وكل ما نريد اليوم كتب أخلاقية يستعين بها المسلمون والآباء والمتصدون لإرشاد العامة ولتربية الطلاب والناشئين، وقد ألف المغربي كتابه هذا فجاء ضخما إذ تعمد فيه إلى توفية الأمور الأخلاقية والدينية، التي عالجها ما تستحقه من العناية، وأسهب، ورأى وزير معارف الحكومة العربية الفيصلية إذ ذلك الأستاذ الكبير ساطع الحصري أن ما كتبه الشيخ مطول جدا فطلب إليه اختصاره، وأن يقتصر فيه عن المنقول والمأثور - على ما ورد في الكتاب السماوي والحديث النبوي، اللهم ما جاء عرضا من أقوال الحكماء مما يلتحم معناه مع معنى الآيات والأحاديث ، ففعل ذلك كله، وأفرغ الكتاب في أسلوب سهل المأخذ قريب المتناول.
والكتاب مقسم إلى «مقدمة» بحث فيها القرآن والحديث بحثا جد مفيد، يلخص فيه كافة علوم القرآن والحديث ومباحثها مما لا يدع مزيدا لمستزيد. ثم ذكر «تمهيدا» بحث فيه عن مكانة الأخلاق وعن الأخلاق والإيمان، وعن الأخلاق والعبادات، وعن الدنيا والآخرة والخير والواجب، ثم شرع في ذكر مباحث الواجبات بعد أن قسمها إلى أربعة أقسام: (1)