تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كانت أعنف فترة في حياته خلال سنتي 1906-1911م، فقد قام فيما بين هذين العهدين بحملة على منكري تعليم المرأة، ودعا إلى سفورها الشرعي وتعليمها، وله في ذلك محاضرات ورسائل ومقالات - ولخصومه من رجال الدين نقود عنيفة وحملات قاسية عليه. فقد نشر أولى مقالاته في هذا الموضوع الخطير آنئذ في جريدة الظاهر المصرية - التي كان يصدرها المحامي الأستاذ محمد بك أبو شادي والد الدكتور زكي أبو شادي - بتاريخ 11 أكتوبر (تشرين الأول سنة 1906م) (1324ه) بتوقيع «م. ع.» قال فيها:

كنت بالأمس أتجول في شوارع القاهرة وأدخل حوانيتها ومخازنها وأنتاب منتزهاتها وحدائقها، فأجد من تبرج النساء وتبذلهن ومحادثتهن للرجال وعدم التزامهن حدود الشرع ما كان يذكرني بما كتبه العالم الفاضل قاسم بك أمين في كتابه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، من أن هذا الحجاب الذي عليه عامة نساء المسلمين ليس بالحجاب الشرعي، فلا ينبغي الاحتفاظ به، وإنما علينا الرجوع إلى ما قرره الشرع في ذلك لكنه - حفظه الله

4 - كان يصور الحجاب الشرعي بما عليه الآن نساء أوروبا وأميركا، وقد وصف من أحوالهن ومخالطتهن للرجال ما يشعر باستحسانه له وتمنيه لنسائنا مثله حتى هاج عليه الشيوخ والمتعصبون، مع أن الحجاب الشرعي هو واسطة بين الحالتين، ليس فيه التبذل والتعرض لمثارات الفجور وما هي عليه الحالة في نساء الغرب، ولا يحول بين المرأة وبين رقيها وإعدادها لأن تكون زوجا وأما ومدبرة منزل، كما هي عليه حالة نسائنا لهذا العهد. ومهما يكن فإن المؤلف «الأمين» إنما يرمي إلى نشل المرأة المسلمة من هوة الجهل التي سقطت فيها منذ قرون ... كنت أفكر في هذا الموضوع. وأذكر في نفسي ما كان كتبه قاسم بك وفصله تفصيلا شافيا، وإذا بي اقرأ من جريدة الظاهر نقلا عن جريدة «الإسكندرية» مقالا طويلا للمومأ إليه (أي قاسم أمين) يقول فيه: إنه عدل عن رأيه في مسألة الحجاب وسحب كلامه في دعوة الأمة إلى تحرير المرأة، فرجعت وخفت أن يكون أدرك ذلك الفاضل شيء من الخور وضعف العزيمة.

فأخذ يعتذر للشيوخ والمتعصبين، ويتنصل مما كانوا اتهموه به من قبل، وقلت إن كان شأنه كذلك فيكون من جملة مصاب الأمة برجالها وقادتها الذين نرجو الخير من قبلهم ... لكن لم ألبث في ثاني يوم حتى قرأت ما كتبه حضرته في إنكار ذلك المقال والبراءة منه فسررت، ورأيت كل ذلك فرصة حسنة أغتنمها في رجاء الفاضل قاسم بك أن يتحفنا بكتاب في المرأة يكون ثالث القمرين وشاهدا لصاحبه بالحسنيين.

5

واستمر المغربي يدعو إلى تحرير المرأة، ويكتب البحوث العديدة في ذلك، وكان من أشهر تلك المقالات كلمة كان لها دوي هائل قال فيها:

ألزم الدين الإسلامي المرأة بالعلم وفرض طلبه وتحصيله عليها، كما أعطاها من جهة ثانية حق التملك والاستقلال وحرية التصرف فيما تملك، فإذا شاءت بيعه أو هبته أو وقفه، أو أي نوع من أنواع التصرف فيه جاز لها ذلك من دون أن يكون لزوجها أو أبيها أو أي كان حق في معارضتها ... يقولون: إن الدين الإسلامي كما شرع ذلك ألزم المرأة بالحجاب والهدوء في المنزل وعدم الخروج منه إلا لزيارة والديها، ثم لزيارة القبر وعدم مخالطة أحد والحديث مع أحد، وإذا اضطرت إلى الكلام مع أجنبي فتغير صوتها الرخيم بأن تضع أصابعها في حلقها وتخور كما يخور الثور.

المرأة التي لا تعرف في حياتها سوى محارمها، ولا تخرج من بيتها إلا إلى قبرها تبقى بالضرورة جاهلة، فلا تقدر أن تتعلم ما يلزمها علمه بالوجه العام، ولا ما يلزمها أن تتعلمه لصيانة أملاكها والذود عن حقوقها من وجه أخص. حجابها المصطلح عليه يؤدي بها إلى الجهالة وإلى التجرد من حق التملك وحرية التصرف فيما تملكه ...

هذا تناقض ظاهر، وتضارب بين أصول الإسلام، وقواعده الكبرى الاجتماعية لا يمكن معه أن تنهض أمة ويرتقي شعب ... لا نعلم كيف نوفق بين الأمرين ونطبق هذين الأصلين، هل نقول: إن الأصل في الإسلام هو إعطاء الحرية والاستقلال للمرأة، وإنها مكلفة بتحصيل العلم عملا ... أو نقول بالعكس: إن الحجاب وقصر المرأة في دائرة ضيقة من حياتها المعاشية والعلمية والأدبية هو الأصل الشرعي والقاعدة الأساسية، وإن علمها وتعليمها وحريتها واستقلالها وتصرفها كل ذلك دخيل في تعليم الدين ومدسوس على الشريعة ...

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ٢١