تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما ابنه عبد القادر المغربي فقد نشأ نشأة دينية - كما أسلفنا - وأراد والده أن يجعله فقيها محافظا يقف عند النصوص الواردة في كتب الفقه الحنفي ويسلم بها ولا يناقشها؛ لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولأن ما بلغت إليه نصوص فقهائها المجتهدين هو الأوج. وأن نصوصهم لا مجال للاجتهاد عندها، وقد قدمنا أقوال المغربي في ذلك، ونريد أن نبين تحطيم المغربي لتلك السدود بعد أن اتصل بالمصلح الأفغاني والمفتي محمد عبده، فإنه صار يقول: «يحاول قوم من الجامدين أن يأخذوا أولئك المتنورين بالتقليد الأعمى، وأن يحملوهم على الإذعان والتصديق بمجرد نقل النصوص وسرد أقوال المتفقهين، ولكن محاولة هذا منهم هي مقاومة الطبيعة والنجاح في أمر مقاومتها أمر مستحيل.

عقل حر في نفسه، حر في تربيته، حر في حكومته، حر في عصره، حر في الوسط الذي يعيش فيه؛ تكلفه أن يقلد غيره تقليدا أعمى؟ اللهم إن هذا تكليف ما لا يطاق.»

1

فهو، كما تسمعون، يرى أنه من الواجب على الفرد مناقشة أقوال المتفقهين وعدم التسليم بنصوصهم وتقليدهم تقليد الجاهل دون دراسة حججهم وأدلتهم. ويرى أن أولى خطى الإصلاح الديني هي في التربية والتعليم، فإذا ما ربي الأطفال المسلمون تربية إسلامية صحيحة فاز المسلمون وسلكوا الجادة المستقيمة التي تؤدي إلى رقيهم وتقدمهم، وقد أكثر المغربي من الكتابة في هذا الأمر منذ فجر حياته إلى أن توفاه الله، وضمن قسما من آرائه في الإصلاح والفقه الإسلامي «كتاب البينات»، وإليكم ما قاله في المقال الأول الذي افتتح به الجزء الأول من هذا الكتاب بعنوان «الإصلاح الإسلامي»

2

وقد كان كتبه سنة 1909م/1327ه: ... إن لم يرد رجال الدين العناية بأمر الإصلاح الإسلامي فلا يحسبوا أنهم بذلك يعوقون حركة الانقلاب العام في أمم الإسلام، أو يعوقون نهوض هذه الأمم وعروجها في معارج الحضارة والعمران «كلا»، إذ أن القوة المادية أصبحت اليوم بيد رجال السياسة، وفي طاقة هؤلاء أن يذللوا بها كل صعوبة تعترض سيرهم مهما كان نوعها.

ولكن رجال الدين يرتابون في أن الإسلام محتاج إلى إصلاح، وكثيرون منهم يرون أن الكلام في إصلاحه لغو باطل؛ إذ أن الدين الإسلامي لم يك بالفاسد في يوم من الأيام حتى نفكر في إصلاحه، أو نبحث عن طريقة لأجل إصلاحه ...

ثم نسلك في الكلام على وجوب الإصلاح من طريق آخر فنقول: إن المسلمين بتركهم العمل بدينهم والسعي في إصلاحه أصبحوا كأنهم غير مسلمين، وإذا سمع الشيوخ منا هذا القول استبشعوه وردوه علينا أقبح رد. ولم يطيقوا أن يسمعوا القول بأن المسلمين اليوم غير مسلمين.

حقا الأمر جلل، وإن التصريح به بشع تأبى النفس سماعه، دع عنك قبوله، ولكننا نرانا مضطرين إلى الجهر به، وإقناع معارضينا فيه، لنحملهم بذلك على النظر والتفكير، ونبعث في نفوسهم الشعور بالحاجة إلى الإصلاح ولزوم السعي فيه ...

ومحض القول إن أي نوع من الإصلاح لا يتم إلا بسعي الذين يعينهم أمره، وإصلاحنا الإسلامي إنما يعني علماء الدين فهم المكلفون به، المخاطبون شرعا بالعمل على تحصيله، وليس العمل منهم سوى الدعوة إليه بخطبهم وكتاباتهم وتأليفهم ، حتى إذا اقتنع بذلك جمهور الأمة ومعظم أفرادها هبوا هبة واحدة، فاكتتبوا لمدارس يشيدونها ونشرات يوزعونها ومؤتمرات يعقدونها عن كل ما فيه تحصيل أمر هذا الإصلاح وتحقيق أمره. وعماد الإصلاح بوجه عام، أو أصل الأصول في الإصلاح، إنما هو التربية والتعليم الإسلاميان، أو يقال هو «المدرسة الإسلامية» هذا هو أصل الأصول، أما بقية الأصول والأركان فتأتي على ذكرها هنا موجزة بصفة فهرست يجمعها.

3

هذه هي بإيجاز نظرة المغربي في الإصلاح الإسلامي، وتلك هي آراؤه في رجال الدين ومسلمي عصره، وأما ما يجب على الفقيه - في رأيه - أن يعمله، فنترك الحديث عنه منفصلا إلى محاضرتنا عن «المغربي المصلح». ولا ريب في أن هذه الآراء الجريئة التي اندفع المغربي الشاب إلى إعلانها، قد ألبت عليه جمهور العامة المتعصبين لرجال الدين، فاتهموه بالإلحاد والزندقة والمروق، كما اتهموا من قبل أشياخه جمالا ومحمدا، وقد استمرت هذه الحملة العنيفة على المغربي طوال حياته، وإن كانت في سنيه الأولى أعنف وأشد منها في سنواته الأخيرة، حينما انصرف إلى الدراسات اللغوية والمباحث الأدبية.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ٢٠