تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وهي تحمل ابنا لها فقالت: يا رسول الله! دفنت ثلاثة أولاد، وإني أخاف على ابني هذا، فقال لها: دفنت ثلاثة أولاد؟

قالت: نعم.

فقال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار.

أقول: الحظار بالكسر ويفتح كل شيء حجز بين شيئين، واحتظر به احتمى؛ أي لقد تحصنت بحصن شديد من النار.

قال الأستاذ: وعند الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ما من مسلمين - يعني أبوين - يموت لهما ثلاثة من الأولاد إلا أدخلهما الله الجنة برحمته، قالوا: يا رسول الله! واثنان، قال: واثنان قالوا: وواحد، قال: وواحد، والذي نفسي بيده، إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة.

أقول: السقط مثلث السين الولد يسقط من بطن أمه لغير تمام، والسرر بفتحتين ما تقطعه القابلة من سرة المولود، وهذا كناية عن أن السقط يكون سببا في دخول أمه الجنة.

وهكذا ينهي المغربي تلخيص القسم الثاني من كلام الأستاذ الحسني.

ثم يذكر في عدد يوم السبت 27 جمادى الثانية سنة 1334ه/29 نيسان 1916م بقية كلام الشيخ وشرح الغامض منه ويكتب في الخاتمة ما يلي: حين بلغت هذا الموضع شعرت نفسي بشيء من الملل وخدر الأصابع فألقيت القلم من يدي وكففت عن الكتابة، أما الأستاذ فبقي يواصل الكلام من دون تلعثم ولا إحجام، ومدة درسه عادة ثلاث ساعات يحدر الأستاذ فيها المسائل حدرا لا يتخلله سكوت ولا يقاطعه من الحاضرين سؤال، وكل المسائل التي يلقيها تكون تعليقا على «الحديث» الذي كان قد افتتح به الدرس، وهو يجعل من تلك المسائل تناسبا دقيق اللحام، ويفرغها بأسلوب حسن السبك والنظام، ولا يذكر حديثا ما لم يرو سنده ويعين مأخذه فمستمع درسه يعجب من ذلك الاستحضار، كما يعجب من فصاحة ألفاظه وصحة تراكيبه حتى لو أمكن كتابة ما يمليه الأستاذ في درس واحد وطبع ذلك ونشر بين الناس كان لهم منه كتاب يبلغ حجمه عشرة أجزاء من القرآن، وقد تضمن أبحاثا جمة في أنواع العلوم الإسلامية.

ونحن في المسائل التي لخصناها من درس الأستاذ لقراء «الشرق»، لم نلخص إلا قليلا من كثير ووشلا من غدير، وما يجده القارئ فيه من خطل أو خطاء أو قول هراء فهو منا وتبعته راجعة إلينا، والأستاذ بريء منه وعيبه طاهر عنه ...»

وقد استمر المغربي يحرر في جريدة «الشرق» الشرق المباحث الأدبية واللغوية والإصلاحية، وبعض المقالات السياسية، طوال فترة الحرب العالمية الأولى، فلما وضعت الحرب أوزارها، ودخلت الجيوش الأجنبية إلى دمشق انزوى في بيته منصرفا إلى التأليف، وكتابة مقالات العلم واللغة والأدب.

ثم عهد إليه، حين أسس الملك فيصل الأول الجامعة السورية بدمشق، أن يصحح لغة كثير من التآليف العلمية فيها، ولا سيما في كتب كليتي الطب والحقوق، فأصلح لغتها، وأدخل فيها ألفاظا جديدة، ودرس اللغة العربية وفقهها للطلاب.

وكان إلى جانب تدريسه، وتصحيحه للكتب، يزود مجمعي دمشق والقاهرة، ثم مجمع بغداد، بالمقالات والبحوث والتعليقات، وقد أهمل الكتابة في الصحف اليومية - هذه الفترة من عمره - إهمالا تاما لاعتقاده بأنه قد أدى قسطه نحو أمته في هذا الحقل.

| هوامش

| المغربي الفقيه

رأينا أن أسرة المغربي أسرة قضاء وفتيا منذ عهد بعيد، فقد تقلد جده الأعلى يوسف درغوث «طورغود»، وكان من كبار علماء الحنفية في تونس، ومن أبناء طورغود باشا أمير البحر العثماني ودفين طرابلس الغرب، منصب مفتي الحنفية في تونس وتسلسل ذلك المنصب السامي في أعقابه من بعده يتوارثونه ولدا عن والد. فقد قتل المفتي الشيخ يوسف في ثورة عسكرية سنة 1088ه وسمي ولده عبد الكبير مفتيا للحنفية بعده. ثم عزل مرة وأعيد بعدها إلى أن مات فخلفه ولده يوسف، وظل في الإفتاء طوال حياته، ثم خلفه ابنه محمد.

ولما حصل الانقلاب الكبير في الدولة التونسية، وانتقل الملك من أبناء الباي علي بن محمد إلى أبناء الباي حسين بن علي قبل سنة 1170ه عزل محمد درغوث من منصب الإفتاء وسمي ابن بيرم مفتيا للحنفية، وهكذا انتقل هذا المنصب الإسلامي السامي من الأسرة الدرغوثية إلى الأسرة البيرمية بعد أن تقلب أبناؤها فيه أكثر من قرن، ورأى رجالات الأسرة الدرغوثية أن العهد الجديد قد ثقل عليهم فاضطروا إلى الهجرة إلى الشرق، وكان الشيخ محمد درغوث أحد أفراد الأسرة زار الشرق، ومر بمدينة طرابلس الشام، فاتخذها سكنا، وعرف أهلها فضله، فأحبوه والتفوا حوله يفيدون من عمله وبركاته، وأصبح لقب الأسرة «المغربي» بعد أن كان «درغوث» واستوطن بعض أفراد الأسرة الدرغوثية، محمد أحفاد الشيخ محمد الكبير، مصر واتخذوا دمياط مقرا لهم ونبغ فيهم الشيخ عبد القادر مفتي دمياط حوالي سنة 1150ه. وظل الشيخ محمد في طرابلس حتى توفاه الله، وسار أبناؤه وأحفاده على سيرته، وتقلد حفيده عبد الرحمن الجد الأعلى للمغربي منصب الإفتاء في طرابلس الشام واللاذقية خمسا وأربعين سنة، وقد ترجمه المرادي في سلك الدرر وقال إن وفاته كانت سنة 1211ه، وإنه كان من رجال الدين الورعين، كما تولى حفيده الشيخ أبو الهدى عبد القادر قضاء طرابلس، وقد كان تلقي العلم في الأزهر عن الدسوقي والطحطاوي والمنوفي والشنواني، وتلقى الطريقة الخلوتية عن الشيخ محمد بن عبد الكريم السقاط المتوفى 1209ه، وبقي في قضاء طرابلس حتى دخول المصريين إليها، وتسلسلت النزعة العلمية الإسلامية في أبناء الشيخ عبد الرحمن جد الفقيد الأعلى وكان الشيخ مصطفى والد الفقيد من رجال الدين الأفاضل في طرابلس، وقد حدثتكم بطرف عن حياته وأثاره ووظائفه الدينية التي تقلدها.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ١٩