هذا ولما اضطرب أمر الخلافة الأموية وقوي سلطان بني العباس في بلاد الشام وهزموا الخليفة مروان بن محمد في دمشق، لم يجد له ملجأ يعصمه منهم إلا في مصر، فالتجأ إليها ولقي من أهلها عونا، فجمع جموعا سار بهم لقتال صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، ولكن لم يكتب له النصر أمام جيوش خصومه القوية، فقتل ودخل صالح الفسطاط في 8 محرم سنة 133ه وبعث برأس مروان إلى الشام والعراق، ودالت دولة بني أمية. •••
جاء العصر العباسي فزالت معالم الفخامة عن العاصمة الأموية، وأباح الفاتح العباسي دمشق ثلاث ساعات وقيل أكثر، ووضع السيف في أهلها، ولم يزل جماعته يجزون الرءوس في الطرق والمنازل، ويأخذون الأموال والأولاد، ويقتلون العلماء والأمراء حتى في المسجد الجامع؛ فقد انتهكوا حرمته فهدموا محاريبه وأحرقوه وخربوا قبابه وجعلوه إصطبلا لدوابهم، وقتلوا خلقا من أهل الذمة من اليهود والنصارى لا يحصون، كما خربوا معابدهم، ونبشوا قبور الخلائف من أمية، ونقضوا سور المدينة. أما مصر فلم يكن حالها أفضل من حال دمشق، قال ابن تغري بردي: «ولما ولي صالح مصر بعث ببيعة أهل مصر لأمير المؤمنين عبد الله السفاح، ثم أخذ صالح في إصلاح أمر مصر وقبض على جمع كثير من المصريين الأمويين، وقتل كثيرا من شيعة بني أمية وحمل طائفة منهم إلى العراق وقتلوا بقلنسوة من أرض فلسطين.» ولم يقم صالح في مصر إلا أشهرا؛ فإن السفاح بعث به أميرا على فلسطين وولى أبا عون بن زيد على مصر، وقد كان أبو عون هذا باطشا فاتكا، ثار عليه أقباط مصر بسمنود فقتل منهم مقتلة عظيمة، واضطربت الشام ومصر لذلك. ولما مات السفاح سنة 136ه ثارت دمشق وخلعت الخلافة العباسية وتابعت هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية، فتوجه إليهم صالح بن علي من فلسطين وأعمل فيهم سيفه، فهدءوا ونفوسهم تتميز من الغيظ. وفي عهد المنصور ولي أبو مسلم الخراساني مصر والشام معا، فلم يقبل لأنه كان أوسع آمالا كما ذكر ذلك صاحب النجوم الزاهرة، وقال أبو مسلم في ذلك وهو غاضب: «يوليني مصر والشام وأنا لي خراسان؟!» وعزم على الشر من يومئذ ثم كان من أمره ما كان.
وفي أيام المنصور وخلفائه كثر تغيير الأمراء على الشام ومصر ولم يستقر فيهما أمير أكثر من سنة، ولعل السر في ذلك تخوف بني العباس من استقلال أمير هذين القطرين بهما، على أن بعض خلفاء بني العباس كانوا كثيرا ما يجمعون هذين القطرين لأمير واحد، كالذي فعله الرشيد مع أبي مسلم عبد الملك بن صالح العباسي، فقد كان واليا على مصر والشام. وفي أيام المأمون جمعت ولاية مصر والشام لطاهر بن الحسين، ويظهر أن المصريين كانوا مثل الشاميين كرها لبني العباس. أما الشاميون فكانوا كثيرا ما يتحينون الفرص للخلاص من بني العباس؛ لأنهم رأوا أن زوال الدولة الأموية كان زوالا لمجد العرب ورفعا لشأن العجم، ولهذا لم تخل فترة في أيام العباسيين بالشام من ثورات وانتقاضات كثورة حبيب بن مرة الفهري، وثورة أهل حوران، وثورة أبي محمد زياد بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، وثورة أهل حمص، وثورة السفياني علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية. ومن أعظم هذه الثورات الثورة التي قام بها أهل دمشق على واليهم المنصور بن المهدي، وقد ظلت نار هذه الفتنة ملتهبة حتى أطفأها عبد الله بن طاهر سنة 210ه. ومنها ثورة الشاميين في عهد المتوكل على واليهم سالم بن حامد لظلمه وقتله الأشراف، وقد قتلوه على باب الخضراء - قصر معاوية ومقر الخلافة الأموية - فغضب الخليفة المتوكل لذلك لما بلغه وقال: «من لدمشق وليكن في صولة الحجاج؟» فقالوا له: «أفريدون التركي»، فجهزه إليها في سبعة آلاف وأحل له فيها القتل والنهب ثلاثة أيام، وهكذا فعل. وفي سنة 227ه ثار المبرقع الشامي تميم اللخمي، وخلع الطاعة ودعا إلى نفسه في بلاد الشام، فتبعه خلق كثير من المزارعين وغيرهم وقالوا هذا هو السفياني الذي ينقذ الشام، واستفحل أمره جدا حتى صارت جماعته تزيد على مائة ألف. وفي سنة 250ه وثب أهل حمص بعاملهم فقتلوه، فوجه إليهم الخليفة المستعين من حاربهم، فهزمهم بين حمص والرستن، وافتتح حمص وأحرق المدينة. ثم ثاروا بعد عهد قصير ثانية فأرسل إليهم الخليفة عاملا آخر فدخل بلدهم عنوة وأباحها ثلاثة أيام وطرحت النار في منازلها.