ونضيف إلى كلامه هذا أن عطف المصريين على الشاميين في نكبتهم هذه لم يقتصر على استقبال اللاجئين، بل كانت مصر ترسل إلى الشام القوت والذهب، وقد ذهب بعض الرهبان المصريين إلى فلسطين يجوبون أرضها ويعملون على إعادة بناء الكنائس المخربة، وقد كان توفيق أحدهم عظيما بإعادته بناء كنيسة بيت المقدس وإعادة رونقها إليها، كما تمكن من إعادة بناء كنائس أخرى مع كثير من الدور والقصور، وقد أحب أهل هذه المدينة المقدسة ذلك الراهب العظيم وأكبروا عمله، فنادوا به - وكان اسمه مودستوس - زعيما دينيا ودنيويا عليهم، وكان من جراء هذه الحادثة العظمى أن اتحدت الكنيسة القبطية والكنيسة الشامية. ولما نكب المصريون بالغزو الفارسي سنة «616م» وهدمت الإسكندرية وكثير من المدن المصرية، قابل الشاميون الإحسان بالإحسان، فأرسلوا الميرة والغذاء إلى إخوانهم المصريين، وحموا من استطاعوا حمايته من القساوسة والرهبان والشيوخ والنساء والأطفال، وحفظوا ما استطاعوا حفظه من الكتب والآثار الدينية والعلمية التي فتك بها الفاتك الفارسي الفاتح فتكا ذريعا، وأرسل قسما غير قليل منها إلى بلاده. وقد كان حزن الشاميين عظيما لما سمعوه من أخبار النكبة الكبرى التي حلت بالإسكندرية العظمى، مقر العلم والآداب ومحجة الطلاب ومنار الهدى في الشرق من أقصاه إلى أقصاه، ولا غرو؛ فإن جامعة هذه العاصمة كانت قبلة الشاميين يتعلمون فيها العلم ويبعثون إليها بنتاج قرائحهم لنقده ودرسه. وهكذا قويت العلاقات بين القطرين، فانتشرت اللغة السريانية بين علماء مصر، حتى إننا نجد في مصر جماعة من العلماء السوريين كانوا قبل الغزو الفارسي يراجعون الترجمة السريانية للإنجيل، ويترجمون كتاب التوراة السبعينية إلى السريانية من جديد، وكان ذلك في الدير المصري الكبير المعروف باسم «دير الهانطون». وقد كان للسوريين في مصر أديار خاصة بهم، ومنها الدير الذي لا يزال باقيا إلى عهدنا هذا في وادي النطرون الذي قال بتلر عنه: «ولعل الدير السرياني الذي لا يزال إلى اليوم في صحراء وادي النطرون قد نشأ في ذلك الوقت عندما جاء إلى مصر كثير من السوريين وعلمائهم هاربين من خطر حرب الفرس.»
هذه لمحة موجزة جدا عن الصلات السياسية التي كانت بين البلدين قبل الإسلام، أما الصلات العلمية فسنحدثك عنها فيما بعد، وسترى أنها كانت جد قوية وأن هذين القطرين ما كانا إلا كالقطر الواحد في حياته السياسية والثقافية منذ فجر التاريخ. •••
ظهر الإسلام ومصر والشام تحت النفوذ البيزنطي الذي ضاق القطران به وأخذ كل واحد منهما يسعى للانفصال عن المملكة البيزنطية، ومما سهل ذلك انشغال الإمبراطور البيزنطي «هرقل» بالخلاف الداخلي القوي، وقد كثرت الاضطرابات الدينية والسياسية في مملكته، فضعف نفوذه في القطرين، ففتحت الشام ومصر أبوابهما للعرب المسلمين، وصارتا قطعة من جسم المملكة العربية الجديدة. وكان فتح دمشق في سنة «14ه» ثم فتح الإسكندرية في سنة «22ه»، وعقبت هذه الفترة فترة هدوء طويلة سكن فيها الشعبان السوري والمصري إلى الشعب الفاتح، واستراحا قليلا من تلك الاضطرابات التي كانت تقع في بلادهما بسبب الاختلافات المذهبية، وعادت الحياة الدينية إلى جو هادئ، وأصبح القبط في مأمن على مذهبهم، وسكن اليهود إلى عقيدتهم في ظل العرب المسلمين، وأضحوا آمنين على أنفسهم وأموالهم، وهدأت البلاد في صدر عصر الخلفاء الراشدين واستراحت. ولكن حدث حادث اضطربت له البلاد الإسلامية جميعا، وبخاصة مصر، وهو مقتل الخليفة عثمان بن عفان؛ فقد كان للمصريين ضلع كبيرة في هذه القضية، كما استغل الشاميون هذا الحادث وقضت البلاد فترة سيئة لم تستقر إلا بعد أن توطد الأمر لمعاوية، فأقام في الشام وأعاد عمرو بن العاص إلى مصر. وظلت مصر طوال العهد الأموي تتمتع بأمراء صالحين ينتقيهم لها بلاط دمشق الأموي، وأول أمير بعثته دمشق إلى مصر هو عمرو بن العاص (43ه) الذي كان فيها من قبل أميرا وفاتحا، والذي سار بمصر أحسن سيرة وعدل بين الرعية وأحبه الأقباط والمسلمون، ولا عجب؛ فقد كان من أدهى الناس وأحسنهم رأيا وتدبيرا. وممن بعثتهم دمشق إلى مصر من الأمراء عتبة بن أبي سفيان (44ه) أخو معاوية، وقد حمد المصريون سيرته فيهم كما حمدوا عقله وذكاءه وفصاحته. ومنهم عقبة بن عامر الجهني الصحابي القارئ الفرضي الشاعر الكاتب الذي قال عنه ابن تغري بردي: «كان لأهل مصر فيه اعتقاد عظيم وله عليهم فضل؛ فهو أول من نشر فيهم الحديث، وقد روى ابن أبي الحكم المؤرخ المصري المشهور أحاديثه التي نقلها المصريون عنه.» ومنهم عبد العزيز بن مروان (86ه) والد الخليفة عمر، وكان من أحسن الأمراء عمرانا وسياسة، وهو الذي نزل بحلوان فأعجبته وبنى بها الدور والمساجد وعمرها أحسن عمارة وغرس نخلها وكرمها، وكان جوادا سيوسا. ومنهم عبد الملك بن رفاعة الفهري (109ه) وكان حسن السيرة عفيفا عن الأموال، فيه دين وعدل بالرعية وثقة وفضل، وقد تولاها مرتين.