وبعد، فلو رحنا نعدد لك ثورات الشاميين على الولاة العباسيين لعددنا لك الشيء الكثير، ولا عجب فإن القوم كانوا يحنون إلى العهد الأموي ويكرهون هؤلاء الولاة الأتراك القساة الذين كانت تبعث بهم بغداد.
أما مصر فما كانت أهدأ بالا، ففي ولاية يزيد بن حاتم المهلبي عليها ظهرت دعوة بني علي فيها، وتكلم الناس بها وبايع كثير منهم لبني الحسن في الباطن، وماجت الناس بمصر وكاد أمر بني علي أن يتم، والبيعة كانت باسم علي بن محمد بن عبد الله. وبينما كان الناس في ذلك إذا بالبريد يقدم برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب سنة 145ه، فنصب في المسجد أياما وسكن الناس على مضض.
وفي ولاية واضح بن عبد الله المنصوري سنة 162ه خرج إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وكان واضح يميل إلى العلويين، فحمله على البريد إلى المغرب، ولما بلغ هذا الخبر مسامع الخليفة الهادي طلب واضحا وقتله وصلبه سنة 169ه. وفي ولاية إبراهيم بن صالح العباسي سنة 165ه خرج دحية بن المصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان الأموي بالصعيد، ودعا لنفسه بالخلافة واستفحل أمره، وكاد أن يتم حتى ولي مصر الفضل بن صالح سنة 169ه، فأسره وقتله وبعث برأسه إلى الخليفة الهادي. وفي ولاية إسحاق بن يحيى الختلي ثار العلويون بمصر سنة 235ه فأخرجوا من ديارهم. وكان أهل الحوف المصري من عرب قيس وقضاعة واليمن كثيرا ما يثورون على الأمراء العباسيين في مصر ، وربما استنجدوا بإخوانهم الشاميين فأنجدوهم على الأمراء العباسيين، وأخبار أهل الحوف وثوراتهم كثيرة جدا في هذه الفترة.
وصفوة الحكم على العصر العباسي في دوره الأول بمصر والشام أن هذين القطرين كانا يعاملان معاملة واحدة ويسيران بسياسة واحدة، ومن يلاحظ خطوط التاريخ في تلك الفترة يجد أن البلاد لم تكن تعامل بالحسنى والخير إلا في عهد خليفتين اثنين: الرشيد وابنه المأمون، فقد كانا يعطفان على هذين القطرين ويخصانهما بأفاضل العمال والرجال، ويوجبان عليهم الرأفة والرحمة والعدل، وفي عهد هذين الخليفتين فقط قلت ثورات الشاميين والمصريين على بغداد، وإنه لحق أن نقول إن هذين القطرين لقيا عنتا وفوضى في الحكم بعد عصر هذين الخليفتين؛ فما جاء عصر المتوكل حتى اضطرب أمر البلاد ودخل الوهن إلى سياستهما، فبعد أن كان الخلفاء يرسلون إلى دمشق والفسطاط أشرف أهل البيت العباسي للحكم فيهما أخذنا نجد العمال أتراكا أو مولدين كأفريدون التركي الطاغية، وخاقان التركي الخبيث، ومزاحم بن خاقان، وأرخوز بن أولوع، وغيرهم. وقد لاحظ هذا الأمر مؤرخون قدماء وجدد، حتى قال صاحب النجوم الزاهرة في أثناء كلامه على ولاية عنبسة بن إسحاق: «وعنبسة هذا هو آخر من ولي مصر من العرب وآخر أمير صلى في المسجد الجامع.» وقال كرد علي: «وبعد أن كانت بغداد ترسل إلى الشام أولاد الخلفاء وأعاظم قوادها من الأصول، أصبحت ترسل إليها من الفروع أفريدون التركي وخاقان التركي ومحمد المولد من الموالي، فظهر الفرق في صورة الحكم لأن الحكم في الغالب كان فرديا لا علاقة للجماعة به إلا إذا أحب صاحب الأمر استشارة صاحب الرأي استشارة خاصة.»
والحق أن بلاد الشام ومصر لقيت من العمال البغداديين الشيء الكثير، وخصوصا في الفترة التي وليت عصر المتوكل والمعتصم إلى عهد المعتز. وفي عهد المعتز هذا سيطر أحمد بن طولون على مصر والشام سيطرة تامة مدة اثنتي عشرة سنة، ثم جاء أبناؤه وحفدته خمارويه وجيش وهارون وشيبان فسيطروا على البلاد إلى أن انقرضت دولتهم. وباستيلاء الطولونيين على الشام ومصر شعر أهلوهما أنهم مستقلون تماما عن بغداد، وأن في استطاعتهم إذا هم هيئوا جيشا على رأسه أحمد بن طولون أو ابنه جيش، أن يقوموا بأعمال باهرة وأن ينجوا من السلطان التركي الغاشم، وأن ينشئوا لأنفسهم دولة ذات سيادة، فكان ذلك وكانت الدولة الطولونية ذات «الطابع» الخاص في الحضارة والعمران.