عيش جديد وفضل ليس يحتجب
هذي يدي عن بني مصر تصافحكم
فصافحوها تصافح بعضها العرب
وكان حافظ كثيرا ما يذكر في شعره الصلات التي تربط البلدين منذ الزمان الغابر، ويتمنى لو اجتمعا واتحدا اتحادا قويا.
إنما الشام والكنانة صنوا
ن برغم الخطوب عاشا لزاما
أمكم أمنا وقد أرضعتنا
من هواها ونحن نأبى الفطاما
وانظر إليه يدعو إلى التوحيد بين القطرين، فيقول:
نحن في حاجة إلى ما ين
مي قوانا ويربط الأرحاما
وقد أكبر الشاميون هذه العواطف النبيلة التي وجدوها عند شاعر النيل، وليس أدل على ذلك من قول الأستاذ شفيق جبري يحييه لما زار دمشق:
أنشدت شعرك في أفناء لبنان
فرحت أغمز وسواسي وشيطاني
بالأمس شوقي على أفناننا غرد
واليوم حافظ مياد بأفنان
وبنت مروان توحي من أباطحها
وشي القرائح عاشت بنت مروان •••
يا طاوي اليم في دجناء زاحفة
على صفيح من الأمواج مرنان
يهفو به الشوق والأجفان تكتمه
إلى أراهط من فهر وغسان
خلى ضفاف الحمى والنيل وانقلبت
به المطى إلى أهل وجيران
من عهد عدنان ما أبلى عروبتهم
وطء الهزاهز في أبناء عدنان
سر في دمشق ونادم إن نزلت بها
عصابة نادمتهم روح حسان
هذا الرحيق وفي أظلاله بردى
يجري بروض على الفيحاء رنان
تحية يا ضفاف النيل طيبة
تجري بها الريح في شيح وحوذان
الشام من ودك الريان في صلة
محبوكة الوشي في قرن وإمعان
من عهد عمرو فما رثت ولا بليت
قد أتقنتها الليالي أي إتقان
إذا بكت جنبات النيل من ألم
بكت دمشق بدمع منه هتان
أواصر ببيان العرب محكمة
النيل والشام في الآلام صنوان
هما النجيبان في تصوير جرحهما
تصوير جرحهما همس بآذاني •••
لكن مصر وإن هشت وإن عبست
ركن العروبة للقاصي وللداني
يأوي إليها من الفيحاء متهم
فيستظل بظل العاطف الحاني
أملت على الشرق من آيات نهضتها
ما أنقذ الشرق من ذل وإذعان
ولما مات حافظ بكاه أدباء الشام وتفطرت قلوبهم عليه، وإليك أقوال بعضهم.
قال شفيق جبري:
ستون عاما على كره تعانيها
هدأت عنها ولم تهدأ لياليها
ما زلت منها على يأس تغالبه
حتى طواك على الأشجان طاويها
فاطرح شدائدها عن كاهل هدمت
من جانبيه ولم تهدم عواديها
يا وقفة لك في أفيائها انحدرت
عن العواطف مضنيها ومشجيها
1
ناجيت منها صبا ولت نواعمه
بدلت شيخوخة منه تناجيها
فتوة ملئت بؤسا نضارتها
وكبرة أنعمت سقما حواشيها •••
لكن روحك إن جدت وإن هزلت
لم تنس مصر ولم تهمل مغانيها
غنت بوادي الحمى في فجر نهضته
وخاضت النهضة المحمر واديها
قد كنت بلبلها الغريد هيجه
غول على مصر محتل روابيها
وقال عادل الغضبان:
شقوا الجيوب ونكسوا الأعلاما
فقدت بإبراهيم مصر إماما
أودى إمام الشعر من محرابه
فالناس حيرى والصحاب يتامى
وطوى ملاك الموت صفحة شاعر
يسبي القلوب ويسحر الأحلاما
جزع الشآم وأسخنت نفحاته
ورنا يشارك في الأسى الأهراما
وتأوهت دول الحجاز وشاطرت
لبنان فيه ودجلة الآلاما
دول مفرقة أهاب بشملها
جرح ثخين عز أن يلتاما
في كل قطر للبلاغة مأتم
يبكون فيه يراعة وحساما
أما شوقي فقد فتن الشاميون بشعره وأجلوه إجلالا ما بعده إجلال، ولا عجب فإنه فوق مكانته الشعرية الشامية التي أحلته إمارة الشعر كثير الذكر لبلاد الشام وشعره سجل لكبار حوادثه، فلما رشق الطليان بيروت، بكاها بقطعة من أروع الشعر قال فيها:
يا رب أمرك في الممالك نافذ
والحكم حكمك في الدم المسفوك
إن شئت أهرقه وإن شئت احمه
هو لم يكن لسواك بالمملوك
بيروت مات الأسد حتف أنوفهم
لم يشهروا سيفا ولم يحموك
سبعون ليثا أحرقوا أو أغرقوا
يا ليتهم قتلوا على (طبروك)
كل يصيد الليث وهو مقيد
ويعز صيد الضيغم المفكوك •••
بيروت يا راح النزيل وأنسه
يمضي الزمان علي لا أسلوك
الحسن لفظ في المدائن كلها
ووجدته لفظا ومعنى فيك
نادمت يوما في ظلالك فتية
وسموا الملائك في جلال ملوك
ينسون حسانا عصابة جلق
حتى يكاد بجلق يفديك •••