تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا وما ينبغي لنا أن ننسى ما للشعر والشعراء في الأيام الأخيرة من أثر في تقوية الصلات بين البلدين، فقد لعب الشعر دورا عظيما في تقوية هذه الروابط، وقد تكانف شعراء مصر والشام كما تكانف أدباؤهما تكانفا عجيبا، ولا عجب فإن الآلام التي مر بها كل من القطرين في أيامه الأخيرة قد وحدت بين القطرين، ولا غرو فالآلام كانت شديدة، ولم تكن تقع حادثة في الشام حتى كنت تجد صداها في نثر المصريين أو في شعرهم، كما أنك كنت لا تسمع بحادثة تجري في وادي النيل حتى تجد صداها في شعر الشاميين أو في نثرهم. ومن أكثر شعراء المصريين تأثرا بحوادث الشاميين حافظ إبراهيم، وأحمد شوقي.

أما حافظ فقد تفطرت نفسه على حوادث بيروت لما رشقها الطليان، وقال في ذلك قطعة تمثيلية رائعة تصور ثورته على الظالمين الذين خربوا المدينة الآمنة، وقد صور فيها جريحا يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتحرق على بلاده لا خوفا من الموت بل لأنه لم يستطع القيام بحق وطنه، فيقول:

لم أقض حق بلادي

وها أنا قد قضيت •••

يا ليتني لم أعاجل

بالموت قبل الأوان

حتى أرى الشرق يسمو

رغم اعتداء الزمان

وليعلم الغرب أنا

كأمة اليابان

لا نرتضي العيش يجري

في ذلة وهوان

ولما حلت الحرب العالمية الماضية بويلاتها وانقطعت العلاقات بين مصر والشام وأضحى طلاب العلم في مصر من السوريين لا مورد لهم، هاجت عاطفة حافظ النبيلة، فتألم لهم ودعا كرام المصريين ووجوههم إلى حفلة في دار الأوبرا الملكية ليتبرعوا لهؤلاء البائسين، وقال في ذلك قصيدة من أروع الشعر وصف فيها نكبات الحرب، ودعا إلى مواساة هؤلاء الطلاب، وفيها يقول:

أيها الوسمي زر نبت الربا

واسبق الفجر إلى روض الزهر

حيه وانثر على أكمامه

من نطاف الماء أشباه الدرر

أيها الزهر أفق من سنة

واصطبح من خمرة لم تعتصر

من رحيق أمه غادية

ساقها تحت الدجى روح السحر

وانفح الروض بنشر طيب

عله يوقظ سكان الشجر •••

كل يوم نبأة تطرقنا

بعجيب من أعاجيب العبر

أمم تفنى وأركان تهي

وعروش تتهادى وسرر

وجيوش بجيوش تلتقي

كسيول دفقت في منحدر

ورجال تتبارى للردى

لا تبالي غاب عنها أم حضر

وحروب طاحنات كلما

أطفئت شب لظاها واستعر

ضجت الأفلاك من أهوالها

واستعاذ الشمس منها والقمر

في الثرى في الجو في شم الذرى

في عباب البحر في مجرى النهر

أسرفت في الخلق حتى أوشكوا

أن يبيدوا قبل ميعاد البشر

فاصمدوا ثم احمدوا الله على

نعمة الأمن وطيب المستقر

نعمة الأمن وما أدراك ما

نعمة الأمن إذا الخطب اكفهر •••

إن في الأزهر قوما نالهم

من لظى نيرانها بعض الشرر

أصبحوا - لا قدر الله لنا -

في عناء وشقاء وضجر

نزلاء بيننا إن يرهقوا

أو يضاموا إنها إحدى الكبر

فأعينوهم فهم إخوانكم

مسهم ضر ونابتهم غير

أقرضوا الله يضاعف أجركم

إن خير الأجر أجر مدخر

ومن أروع شعر حافظ الذي يصور لك شدة اتصال القطرين، قصيدته التي قالها في الحفل الذي أقامه السوريون لتكريمه في مصر، وفيها يقول:

لمصر أم لربوع الشام تنتسب

هنا العلا وهناك المجد والحسب

ركنان للشرق لا زالت ربوعهما

قلب الهلال عليها خافق يجب

خدران للضاد لم تهتك ستورهما

ولا تحول عن مغناهما الأدب

أم اللغات غداة الفخر أمهما

وإن سألت عن الآباء فالعرب •••

إذا ألمت بوادي النيل نازلة

باتت لها راسيات الشام تضطرب

وإن دعا في ثرى الأهرام ذو ألم

أجابه في ذرا لبنان منتحب

لو أخلص النيل والأردن ودهما

تصافحت منهما الأمواه والعشب

بالواديين تمشى الفخر مشيته

يحف ناحيتيه الجود والدأب

فسال هذا سخاء دونه ديم

وسال هذا مضاء دونه القضب

نسيم لبنان كم جادتك عاطرة

من الرياض وكم حياك منسكب

في الشرق والغرب أنفاس معطرة

تهفو إليك وأكباد بها لهب

لولا طلاب العلا لم يبتغوا بدلا

من طيب رياك لكن العلا تعب

سعوا إلى الكسب محمودا وما فتئت

أم اللغات بذاك السعي تكتسب

فأين كان الشآميون كان لها

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ٢٨