تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما عزم الشيخ على ترك الشام حزنت عليه البلاد وودعته بقلوب حزينة، كما ودعها هو بحزن كثير لأنه كان يرغب أن يطول مكثه حتى يرى ثمرة غرسه بعينه. ولم يترك الشيخ الديار الشامية حتى خلف فيها تلاميذ فحولا نشروا مبادئه وعملوا على تحقيقها، نذكر منهم السيد الكواكبي والشيخ بدر الدين النعساني والسيد نعوم اللبكي، ولكل واحد من هؤلاء كلمة في الشيخ تدل على مكانته عنده، وها نحن أولاء نسوق إليه هذه الكلمات.

قال المغفور له بدر الدين النعساني: «إن الإسلام لم ينجب بعد ابن تيمية غير محمد عبده، وإن لمحمد عبده فضلا على الإسلام في الديار الشامية هو أجل بكثير من فضله على مصر، إن الله حبا مصر بجمال الدين الأفغاني وأحمد عرابي، فأما جمال الدين فقد بث فيها العقل الصحيح، وأما عرابي فقد دعاها إلى الثورة على الظلم. والشام لولا محمد عبده وإقامته القصيرة فيها لكانت تتخبط في الجهل والضلال والعبودية، فبفضل الشيخ وبفضل دروسه تفتحت عيون أهلها.»

وقال السيد عبد الرحمن الكواكبي وقد سأله الخديوي عباس حلمي عن الإمام: «إن أفريقية أخرجت كثيرا من العلماء في العلوم والفنون المختلفة دون الفلسفة، ولكنها أخرجت فيلسوفا واحدا بذ جميع الفلاسفة وهو ابن خلدون، وكذلك مصر أخرجت من لا يحصى من العلماء دون الفلاسفة والحكماء، ثم أخرجت أخيرا حكيما فاق جميع الحكماء، وهو الشيخ محمد عبده.»

وقال السيد نعوم اللبكي في كلمة يرثي الإمام بها: «إن مصاب النصارى بالإمام ليس لأنه كاتب وليس لأنه خطيب وليس لأنه لغوي، بل لأنه هو الذي استخدم كل ما وضعت الطبيعة فيه من القدرة في سبيل إصلاح الإسلام، فهو مصلح الإسلام، ومن أصلح الإسلام فقد أصلح الشرق، فمحمد عبده هو مصلح الشرق.»

رأيت مما سبق قوة الصلات العلمية والعقلية بين القطرين في عصر النهضة منذ أيام محمد علي حتى العصر الأخير، ورأيت الأثر الكبير الذي أحدثته زيارة محمد عبده لسورية، على أن هناك أناسا آخرين كان لهم الفضل في تقوية الصلات بين القطرين، نذكر منهم:

الدكتور بشارة زلزل اللبناني:

وكان من رجال العلم والطب، أنشأ في مصر مع إبراهيم اليازجي مجلة البيان سنة 1897.

والسيد أحمد البربير البيروتي (1811م):

كان شاعرا فاضلا أقام في دمياط طويلا.

والسيد جبرائل مخلع الدمشقي (1851م):

كان أديبا بالعربية والفارسية والتركية، رحل إلى مصر وتقلب في وظائفها.

والمعلم بطرس البستاني الكبير (1883م):

صاحب محيط المحيط ودائرة المعارف، رحل إلى مصر وعظم قدره فيها.

والشيخ خليل اليازجي (1889م):

العالم الأديب الأشهر، أقام في مصر، ولما ثار عرابي اشترك معه فأقفلت مجلته «مرآة الشرق»، وقد كان لشعره وأدبه تأثير عميق في الكتاب المصريين والشاميين.

وأحمد فارس الشدياق (1887م):

العالم اللغوي، رحل إلى مصر وكثر طلابه فيها وأحبه رجالاتها، وله فيهم أثر حسن.

والشيخ عبد الغني الرافعي (1891م):

العالم الفقيه الأديب، رحل إلى مصر وأخذ عن شيوخها فأفاد واستفاد.

وشاكر شقير اللبناني (1896م):

الشاعر البارع الكاتب، رحل إلى مصر وأنشأ مجلة الكنانة وترجم كثيرا من الكتب الفرنسية، ومن أهمها كتاب ڨولني عن مصر.

والشيخ نجيب الحداد (1899م):

الشاعر البارع الكاتب، محرر الأهرام وصاحب «لسان العرب» التي أنشأها في الإسكندرية.

والسيد سليمان الصولا (1899م):

الشاعر الرقيق، رحل إلى مصر وتقرب من إبراهيم باشا وكان من أعوانه في الحملة السورية.

وهناك مئات من العلماء والكتاب الصحفيين وأرباب المطابع والمصانع من السوريين الذين رحلوا إلى مصر وكان لهم فيها أثر مشكور كآل زيدان، وآل متري، وآل اليازجي، وغيرهم ممن يضيق المقام بتعدادهم.

أما الصلات في الأيام الأخيرة فهي الصلات القديمة نفسها، فالأزهر لا يزال المحجة التي يحج إليها الشاميون لطلب الدين، والرحلات العلمية لا تزال قوية بين البلدين، ولكن الشيء الجديد الذي حدث في الأيام الأخيرة هو ظهور الجامعة المصرية، ورقي الطباعة المصرية، وانتشار الكتاب المصري في الديار الشامية انتشارا عجيبا. أما الجامعة فقد كان لها فضل عظيم في نشر الثقافة الأوروبية والعربية في الديار الشامية، وفي الجامعتين المصرية والإسكندرية اليوم أكثر من مائة شاب سوري، وفيهما أكثر من مائتي طالب لبناني وفلسطيني وأردني، وكل واحد من هؤلاء الطلاب سيعود إلى بلاده ناشرا العلم الذي تلقاه في الجامعتين شاكرا فضلهما. وأما الطباعة المصرية على اختلاف دورها وتعدد مذاهبها فإنها ذات فضل عظيم على القارئين في الشام من أقصاه إلى أقصاه، ولولا كتب مصر ومجلاتها ونشراتها لكان للأدب في الديار الشامية شأن آخر، على أن هناك شيئا يجب أن يلتفت إليه القائمون على الثقافة في مصر؛ وهو طبع كتب الأدب الرخيص المفسد للذوق والملكات الصحيحة، فقد طغت موجة هذه الكتب على بعض المطابع فأخذت تكثر منها، والناس يلتهمون كل شيء تقع عينهم عليه ويجيئهم من مصر.

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ٢٧