تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رأى عقلاء الشاميين الثمرة الصالحة التي جنتها مصر من هذه البعوث والأعمال العلمية والإصلاحية التي قام بها محمد علي في مصر، فأخذوا يقلدون مصر، وأول حركة تقليدية قامت بها سورية هي حركة تأسيس المعاهد على غرار معاهد محمد علي وأعقابه في مصر؛ ففي سنة 1834م أنشأ الآباء العازريون مدرسة نظامية في عين طورا، فلما رأى الأوروبيون والأميركان ميل الشاميين إلى العلم والحضارة الأدبية التي رأوا ثمرتها في مصر أخذوا يتهافتون على تأسيس المعاهد في سورية، ففي سنة 1835م أسس الأميركان في بيروت مدرستهم الكبرى، كما أسسوا مدرسة أخرى في عبية لبنان سنة 1847م، وفي هذه السنة أسس اليسوعيون مدرستهم في لبنان وهي التي صارت فيما بعد جامعة عظيمة، وفي سنة 1860م أسست المدرسة الإنكليزية بعناية المسز طمسن، وفي سنة 1861م أسست المدرسة الإنجيلية الأميركانية للبنات، وجعلت فروع كثيرة لهذين المعهدين في جميع أنحاء لبنان، وفي سنة 1863م أسس العبقري اللبناني المعلم بطرس البستاني مدرسته الوطنية التي خرج منها جمهور كبير من علماء الديار الشامية، وفي سنة 1864م أنشأ البطريرك غور يغوريوس يوسف الكاثوليكي مدرسة كبيرة.

ومن أسباب الحركة العلمية في مصر ظهور الطباعة العربية فيها، فقد أسست أول مطبعة فيها أيام نابليون سنة 1798، وقد كان في هذه المطبعة عدد من العمال الفرنسيين مع عدد من العمال السوريين الذين كانوا تعلموا هذه الصنعة في رومية، ومن كبارهم إلياس فتح الله ويوسف مسابكي، وقد ظلت هذه المطبعة عامرة نحو أربع سنوات، ولما خرج الفرنساويون سنة 1801م أخذوها معهم، وظلت مصر نحوا من عشرين سنة بلا مطبعة، فلما نهض محمد علي أنشأ مطبعته الأهلية سنة «1821م» في بولاق وعهد في إدارتها إلى نقولا المسابكي، فقام بعمله خير قيام وظل فيها إلى أن مات سنة «1830م»، وكان يدرب طائفة من الطلاب الأزهريين على الصناعة. ولم تكن هذه المطبعة هي الوحيدة في مصر، فإن الأنبا كيراس الرابع بطريرك الأقباط كلف في سنة «1860م» روفائيل عبيد السوري أن يقوم على إدارة مطبعته التي استحضرها من أوروبا.

وقد نشأ عن ظهور الطباعة في مصر أن ظهرت الصحافة فيها، ففي أيام محمد علي وجدت مجلة الوقائع المصرية وقد استمر ظهورها حتى نهاية عصر محمد علي، وفي أيام عباس الأول وسعيد الأول (1849-1863م) أهمل شأنها، وقد رأى السوريون فائدة الصحافة فأوجدوها في بلادهم، وأقدم الصحف السورية مجلة مرآة الأحوال التي أوجدها رزق الله حسون الحلبي في الآستانة سنة «1855م»، وفي سنة «1858م» وجدت جريدة حديقة الأخبار في بيروت، ثم تتابع إنشاء الصحف والمطابع في سورية. أما في مصر فقد رأيت أن العزيزين اللذين خلفا محمد علي كانا لا يهتمان بهذا النوع من الأدب، فلما جاء إسماعيل (1863-1882م) وكان يحب الأدب وأهله، نشط الصحافة ورعاها، فسمع بعض السوريين بذلك فتوافدوا عليه، وفي عهده أنشأ سليم وبشارة تقلا جريدة الأهرام في الإسكندرية سنة 1876م، وفي سنة 1880م أسس الأديبان السوريان الشهيران أديب إسحاق وسليم النقاش جريدة المحروسة فلقيت كل رواج، وهناك آخرون أنشئوا صحفا في مصر، ولكن لم يستمر منها إلا الأهرام والمحروسة، والحق أن لإسماعيل يدا كبيرة على الصحافة السورية في مصر، فلولاه لما عاشت هذا العمر الطويل، ولولاه لما ارتقى أسلوبها رقيا جعلها أفضل مئات الدرجات من الصحافة القديمة، والحق أن أكثر الفضل في ذلك يعود إلى سليم النقاش وأديب إسحاق، فإنهما كانا ذوي قلم سيال وأسلوب متين.

وكما ازدهرت الجرائد اليومية في مصر بفضل السوريين ازدهرت المجلات فيها، وأول المجلات السورية العلمية ظهورا في مصر مجلة روضة المدارس التي أسست سنة 1870، وكانت مجلة علمية تاريخية طبية، ثم أنشئ المقتطف سنة 1871 وكان أول أمره يصدر في بيروت ثم انتقل إلى مصر سنة 1886م، وفي سنة 1877م صدرت مجلة الشفاء في مصر للدكتور شبلي شميل، ومجلة الحقوق لأخيه أمين شميل، ثم توالت المجلات.

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ٢٤