تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأنت ترى قوة الصلات بين القطرين، وما ينبغي لنا أن ننسى أن للأزهر يدا قوية في إحكام هذه الصلات، فهو الذي كان يخرج رجال الأدب والدين عند المسلمين، وهو الملجأ الوحيد الذي كان يلجأ إليه الشاميون ليتفقهوا في الدين وليدرسوا لغتهم، وقد كان المصريون يرحبون بهم كل ترحيب ويغدقون عليهم العطايا والجرايات ولا يقفون في سبيل من أوتي نصيبا من العلم والنشاط أن يتولى الوظائف الكبيرة في مصر كمشيخة الأزهر ومشيخة أروقته وإفتاء مصر والتدريس في المعاهد. وفي عصر إسماعيل ارتقى الأزهر رقيا محسوسا، فقد كان يدرس فيه - فضلا عن علوم الدين واللغة - العلوم الحكمية والفلسفية والرياضية والتاريخية، وهذه علوم كانت جد نادرة في الشام في تلك الفترة، فبفضل الأزهر عادت هذه العلوم إلى الشام.

وما ينبغي أن ننسى فضل السيد جمال الدين وتلميذه محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي في إحياء الثقافة الجديدة وبعث الثقافة العربية القديمة الصحيحة، ولم تكن حركة الأفغاني مقصورة على العلم وحده بل تعدته إلى السياسة؛ ففي مصر أسست أول جمعية سياسية اشترك فيها نفر من رجالات مصر والشام، وهي جمعية مصر الفتاة، ومن أعضائها المؤسسين جمال الدين، وأديب إسحاق، وسليم النقاش، وعبد الله نديم، ونقولا توما، وغيرهم من حملة الأقلام السوريين المقيمين في مصر، وقد أصدروا لهم جريدة باسم «مصر الفتاة» وكان ذلك في أواخر عهد إسماعيل، وكان لهذه الجمعية أثر كبير في تطور السياسة المصرية والسياسة الشرقية. والحق أن حركة السيد جمال الدين كانت حركة قوية امتدت إلى الشام وغيره من أقطار الإمبراطورية العثمانية؛ لأن دروس الشيخ جمال الدين كانت عامة يحضرها المصريون والأتراك والشاميون والحجازيون، ولم تكن تلك الدروس كدروس غيره من شيوخ الأزهر، فقد كان الشيخ يتخذ الكتب الأزهرية وسيلة إلى نشر أفكاره وتنمية عقول تلاميذه، وقد اعتمد الشيخ على الفلسفة في تنبيه أفكار تلاميذه واعتزازهم بنفسهم، فقد كان الشيوخ قبله يمنعون تلاميذهم من الاعتزاز بآرائهم ويمنعونهم من مناقشة كلام المؤلفين ويعتبرونه كأنه كلام رب العالمين، فإذا هو يقول لتلاميذه: «ناقشوا كل كلام فاقبلوا الصواب واطرحوا الخطأ.» ولم تكن دروس الشيخ مقصورة على دروسه في الأزهر، فقد كانت له مجامع في المقاهي والبيوت، وكان يجتمع إليه فيها طائفة من الفضلاء كسعد زغلول، وسليم نقاش، وأديب إسحاق، وعلي مظهر، وغيرهم من أدباء الشام ومصر. وفي هذه المجالس أيضا وجه الأفغاني الأدب العربي توجيها جديدا، فقد كان الأدباء والكتاب قبله لا يتخطون سور القديم، أما الشيخ فقد دعا إلى تحطيم هذه الأسوار وتحكيم العقل والذوق، وكان الأدب قبله أدب ألفاظ وزخرفة، فحاربه الشيخ ودعا إلى أدب يعبر عن نفسية الشعب، وكان الدين قبله دين تقليد وخرافات، فحطم الشيخ هذه التقاليد وتلك الخرافات، وأرجع الدين إلى ما كان عليه السلف الصالح، وكانت السياسة قبل الشيخ خنوعا للأجنبي الدخيل، فدعا إلى الثورة وإلى أن يعيش الناس أحرارا في بلادهم.

هذه هي الخطوط الأولية لحركة الشيخ في بيته وفي مقهاه وفي مدرسته، وقد استفاد منها طلابه فنبغ منهم من المصريين سعد زغلول ومحمد عبده، ومن الشاميين أديب إسحاق وسليم عنخوري.

وقد انتقلت دعوة الشيخ إلى الشام، فاستجاب لها فيه السيد عبد الرحمن الكواكبي الحلبي صاحب كتابي «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» اللذين ضمنهما وصف ما كانت عليه البلاد إذ ذاك من اضطراب وفوضى في السياسة والاجتماع، ودعا إلى ما دعا إليه الأفغاني من تحطيم تلك القيود التي قيدت البلاد بها. ولما اضطرت الظروف الشيخ محمد عبده إلى أن يجيء إلى الشام ويقيم في بيروت، وجد في البلاد مرعى خصبا لآراء الشيخ الأفغاني فعمل على إحيائها، وقد التف السوريون حوله سنة 1885م يتلقون عنه دروس العلم والحكمة والخير.

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ٢٥