وهناك بعض علماء نبغوا في القطرين وكان لهم فضل في إعادة بعض الصلات العلمية في إبان تلك العصور المظلمة، نذكر منهم ابن إياس المصري (930ه)، وشمس الدين الصالحي (942ه)، وابن طولون الصالحي (955ه)، والحسن البوريني (1024ه)، ومرعي الكرمي (1033ه)، والشهاب الخفاجي (1069ه)، ويوسف البديعي (1073ه)، وعبد القادر البغدادي (1093ه)، والسيد المرتضى (1205ه)، ولكل من هؤلاء آثار علمية قيمة تشهد بعلو كعبه، وقد كان لهذه الآثار الفضل العظيم في بقاء اللغة العربية حية تنتج .
هذه هي الصفحة الوحيدة المشرقة من كتاب الحركة العلمية والعقلية في العصر العثماني ببلاد الشام ومصر، أما بقية صفحات الكتاب فسود قاتمة لا ترى فيها أثرا للنور والعقل والهدى، فقد أصبحت جماهير المسلمين يقرءون القرآن وهم لا يفهمونه، وأضحى علماء البيان والنحو والحديث منهم لا يستطيعون كتابة سطرين اثنين بعبارة صحيحة بليغة، وصار خطباء الجمعة والعيدين يرددون خطبا مكتوبة في عصور سالفة، هذا كان حال المسلمين، أما النصارى فقد كانت حالهم أفضل بكثير؛ فإن مدارس الإرساليات التبشيرية في بلاد الشام كانت تعنى بتعليمهم اللغة العربية تعليما صحيحا، وتحرص على إحياء الأدب العربي، وكان لمطارنة الموارنة والأرثوذكس وأساقفتهم الفضل المشكور، ومن عظماء النصارى الذين كان لهم أثر حميد في المحافظة على اللغة العربية في هذا العصر البطريرك مكاريوس الحلبي الأرثوذكسي الذي خلف آثارا علمية قيمة، ومن أعظمها رحلته إلى القسطنطينية، ومنهم المطران جرمانوس فرحات الحلبي (1732م)، وقد كان عارفا بالعربية والسريانية واللاتينية والإيطالية والتاريخ والفلسفة، وقد اشتغل بالتأليف، وله آثار قيمة وتلاميذ فحول. ومنهم الشماس عبد الله زاخر الكاثوليكي الحلبي (1748م)، وكان على جانب واسع من علم الأدب واللغة، وهو صاحب الفضل الأكبر في نشر الطباعة العربية بسورية لأنه مؤسس أول مطبعة في لبنان، وهي مطبعة الشوير.
هذه هي نظرة إلى ما كانت عليه البلاد الشامية، أما مصر فلم يكن حظها من العلم كذلك، ولم يسعدها إلا دخول نابليون مصحوبا بجيش من رجال العلم، وقد كون نابليون المعهد الفرنسي بالقاهرة، وجعل فيه لجنة علمية تنظم أعماله، وقد كان للمعهد فروع عشرة، وإليك بيانها: (1)
فرع التشريع والديانات والتقاليد. (2)
فرع الإدارة والسياسة. (3)
فرع الشرطة والأمن. (4)
فرع التاريخ ونظام الحكم. (5)
فرع العسكرية. (6)
فرع التجارة والصناعة. (7)
فرع الزراعة. (8)
فرع التاريخ الطبيعي. (9)
الآثار القديمة. (10)
فرع النيل وفيضانه.
وقد جعل لكل فرع أعضاء يعملون فيه ويطوفون البلاد ويجتمعون بأعيانها وشبانها ويناقشونهم ويباحثونهم في موضوعاتهم، وقد دهش المصريون لهذا الجيش العلمي وأعجبوا به، ولا عجب فإن المصري مفطور على حب التطلع إلى العلم والسعي إليه، وقد حدثنا مؤرخ ذلك العصر (الجبرتي) عن إعجاب المصريين بالحركة العلمية الفرنسية في مصر حديثا ممتعا في كتابه، فقد اطلع المصريون عن كثب على مظاهر الرقي الفكري الحديث الذي وصلت إليه أوروبا، كما اطلعوا على مناهج في التفكير لم يعرفوها، وعلى آلات وأوائل حديثة لم يسمعوا بأخبارها، ومن أمتع فصول كتاب الجبرتي فصله الذي كتبه عن دار الكتب التي أنشأها الفرنسيون في درب الناصرية، وما فيها من الكتب والمخطوطات والمخططات والخرائط والصور الممتعة، ولا يقل إعجابه بها عن إعجابه بدار الكيمياء والمختبرات العلمية وما شاهده فيها من العجائب والغرائب، ولا شك في أن أمثال الجبرتي كانوا كثيرين، فقد فتح الفرنسيون مؤسساتهم هذه للمصريين عامة، وأسسوا في القاهرة معاهد أخرى تنشر الحضارة الجديدة، ومن أعظم هذه المعاهد المدرستان اللتان أوجدوهما لتعليم أطفال الفرنسيين المولودين في القاهرة، كما أنشئوا في مصر جريدة عربية وأخرى فرنسية ومصانع للورق وأخرى للأقمشة وغير ذلك، ويحدثنا الجبرتي أن الفرنسيين كانوا يرحبون بالزوار المصريين ويقومون بالتجارب العلمية الكيماوية أمامهم، وأن المصريين كانوا مدهوشين لتلك الأعمال العجيبة. ولا شك عندنا أيضا في أن الجيل الجديد كان ينظر إلى العلوم القديمة نظرة استخفاف بعد أن شاهد ما شاهد من مظاهر العلم الحديث، ولكن خروج الفرنسيين من مصر (سنة 1801م) قضى على كل ما كان يؤمل من مصر فيما لو بقي فيها الفرنسيون؛ فبخروجهم تقهقر كل شيء وأخذ المستوى العلمي ينحط، وكاد أن يعود إلى ما كان عليه قبل دخول الحملة الفرنسية، لولا أن قيض الله لمصر من أخذ بيدها من جديد وسار بها في سبيل التقدم، أعني بذلك محمد علي باشا، فإنه أدرك أن التعليم الأزهري وحده لم يعد كافيا لمجاراة الأمم القوية الحية، ولذلك بدل نظم التعليم في مصر وعمد إلى إنشاء المدارس الابتدائية والثانوية والعالية كمدارس الطب والهندسة والحربية والفنون والصنائع واللغات، ثم رأى أن هذا وحده ليس كافيا لتوجيه الثقافة في مصر، فأرسل بعوثا علمية إلى أوروبا اختار أفرادهم من الأزهر وغيره من المعاهد، وقد بلغ عدد هذه البعوث في زمنه نحوا من 320 طالبا، وقد كان لهذه البعوث صدى كبير في أوروبا والشرق، ولم تكن حركة محمد علي مقصورة على مصر، فقد تعدت إلى الشام حينما انضم الشام إلى الدولة المصرية، ومن آثار محمد علي في الشام إنشاؤه فرعا لمدرسة طب القصر العيني في حلب.