تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان لهؤلاء الشيوخ طلاب يفدون عليهم من مصر كما أن كثيرا من هؤلاء من درس بمعاهد مصر، وإنه لمن النادر جدا ألا تجد في ترجمة عالم من علماء هذين القطرين في تلك العصور أنه لم يرحل إلى مصر أو إلى الشام، أو أنه أقام في إحداهما ودرس وتخرج على يديه الطلاب الكثيرون. وفي أخريات القرن التاسع وأوائل القرن العاشر بدأ مشعل العلم يخبو نوره في الشام وفي مصر أيضا، وذلك لاضمحلال أمر الدولة في الشام وفي مصر؛ فاضطرب أمر الأزهر في مصر وجامع بني أمية في دمشق وحلب ومدرسة المسجد الأقصى في القدس، ولما دخل الأتراك العثمانيون هذه الديار سنة 922ه هبط المستوى العلمي هبوطا سريعا كما يقول الأستاذ عنان: «... وكما قضى ديوان التحقيق الإسباني على حضارة الأندلس وعلومها وفنونها وفقا لخطة منظمة، فكذلك عمل الغزاة الأتراك على تقويض صرح المدنية الإسلامية في مصر عقب الفتح مباشرة، وقضى السلطان سليم فاتح مصر في القاهرة زهاء ثمانية أشهر يجمع من تراث مصر وثروتها الفنية كل ما استطاع، ويخرب المساجد والآثار الخالدة لينتزع منها نفائسها ويبعث بها إلى قسطنطينية، ويقبض على أكابر مصر وزعمائها وعلمائها ورجال المهن والفنون فيها ومهرة الصناع والعمال، ويرسلهم جموعا حاشدة في السفن إلى قسطنطينية، وينتزع الكتب من المساجد والمدارس والمجموعات الخاصة ليودعها مكاتب العاصمة التركية وما زالت منها إلى اليوم بقية كثيرة في مكاتب إسطنبول، ومنها مؤلفات خطية لكثير من أعلام القرن التاسع الهجري المصريين مثل المقريزي والسيوطي والسخاوي وابن إياس مما يندر وجوده بمصر صاحبة هذا التراث العلمي، وهكذا انهار صرح الحركة الفكرية في مصر الإسلامية عقب الفتح التركي كما انهارت عناصر القوة والحياة في المجتمع المصري ... وأصاب الأزهر ما أصاب الحركة الفكرية كلها من الانحلال والتدهور، واختفى من حلقاته كثير من العلوم التي كانت زاهرة من قبل، حتى إن العلوم الرياضية لم تكن تدرس به في أواخر القرن الثاني عشر ... على أن الجامع الأزهر كان يقوم يومئذ بأعظم وأسمى مهمة أتيح له أن يقوم بها، فقد استطاع خلال المحنة الشاملة أن يستبقي شيئا من مكانته ... فيغدو ملاذا أخيرا لعلوم الدين واللغة ويغدو بنوع خاص معقلا حصينا للغة العربية تحتفظ في أروقته بكثير من قوتها وحيويتها، ويدرأ عنها التدهور النهائي ويمكنها من مغالبة لغة الفاتحين ومقاومتها ... وربما كانت هذه المهمة السامية التي ألقى القدر زمامها إلى الجامع الأزهر في تلك الأوقات العصيبة من حياة الأمة المصرية والعالم الإسلامي بأسره، هي أعظم ما أدى الأزهر من رسالته، وأعظم ما وفق لإسدائه لعلوم الدين واللغة خلال تاريخه الطويل الحافل.»

أقول وإن ما أصاب مصر من الغزو العثماني أصاب الشام، فقد قوض العثمانيون معالم دور العلم وخزائن الكتب بما نقلوه إلى عاصمتهم من الكتب والذخائر والتحف، وفي هذه الفترة انصرف الناس عن علوم الأدب والدين الصحيحة إلى القشور، فانحط العلم والأدب وهزل الشعر وأقفرت مدارس الشام من رجالها، واضمحلت دور كتبها من الكتب والآلات، وتقرب متولوها بإهداء ما فيها من النفائس إلى خزائن الوزراء والأمراء والسلاطين، وكانت دمشق وحلب والقدس أعظم مدن الشام مصابا بهذا الغزو الجائر، وفي هذا العصر كثرت الطرق الصوفية وانتشر التصوف في الطبقات عامة، ولولا الأزهر في مصر لانطفأت شعلة العلم في الشام.

على أن هذا كله لم يمنع من ظهور بعض الشعراء والأدباء والعلماء الذين كان لهم صوت مسموع، كعائشة الباعونية الدمشقية التي ماتت في أواسط القرن العاشر، وماماية الدمشقي الرومي، ودرويش الطالوي (1014ه)، ومنجك الدمشقي (1080ه)، وابن عبد الجواد الشربيني المصري (؟)، وعبد الله الشبراوي (1171ه)، ويوسف الحفني (1178ه). وقد خلف كل واحد من هؤلاء ديوان شعر أو أثرا علميا آخر يصور لنا الصلة العلمية بين القطرين كما يصور لنا الضعف العلمي الواضح الذي كانت عليه البلاد جميعا.

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ٢٢