والحق أن ابن تيمية هو الذي أيقظ العقول النائمة في الشام ومصر بل في العالم الإسلامي، وهو الذي ناقش علماء مصر والشام وناظرهم وأراهم الحق وكشف عن عيونهم أستار الجهل، وقد هاجم ابن تيمية المتصوفة الجهال كأصحاب الطريقة الأحمدية الذين كانوا قد ملئوا الشام ومصر وكانوا جواسيس التتار وعيونهم ينقلون إليهم أخبار البلاد وأحوالها، وقد ثار عليهم الشيخ فعقدت له المجالس في مصر والشام وناقشهم فأبان لهم ضلالاتهم وأنهم قوم دجالون مخالفون للشريعة، وقد انتصب بعض العلماء للدفاع عنهم في الشام فغضب الشيخ وهاجر إلى مصر لعله يجد فيها مخرجا من ضيقه وأنصارا على الحق، فلما وصل إليها عقد له مجلس في القلعة حضره العلماء والقضاة وأكابر رجال الدولة فأراد أن يتكلم على عادته ويناقشهم فلم يمكنوه، وقام الشيخ نصر المنبجي فهاجمه، وكذلك فعل المشايخ ابن مخلوف وابن عدنان، واتهموه في عقيدته وانتهى به المجلس أن نقل منه إلى السجن في الجب بالقلعة، وبعد عهد خرج منه فعكف على دروسه طائفة من عقلاء المصريين، ويظهر أن خصومه قد أحسوا خطأهم وأرادوا الاعتذار، ولكن الشيطان سول لهم أن يستمروا في ضلالهم لما رأوه من مكانة الشيخ في قلوب العامة والخاصة، فعزموا على الاحتيال لنفيه من الديار المصرية وسعوا لدى السلطان بذلك، فنفاه إلى الإسكندرية وأسكنوه البرج من دار السلطان، ولكن أبيح له التدريس فكان الناس يدخلون عليه زرافات زرافات ويشتغلون بالعلم والحكمة وسائر العلوم، وكان يحضر الجمعات ويعمل المواعيد في الجامع على عادته، ولما بلغ هذا الخبر أهل دمشق خافوا عليه الغائلة حتى قال مؤرخهم تلميذه ابن كثير يصف هذه الحادثة: وسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي لعل أحدا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة، فما زاد ذلك الناس إلا محبة له وقربا منه وانتفاعا به واشتغالا عليه، واتفق أنه وجد في الإسكندرية أن طائفة من جماعة ابن عربي وابن سبعين القائلين بوحدة الوجود قد انتشروا هناك، فحاربهم وهتك أستارهم وفضح عقيدتهم واستتاب كثيرا منهم، ثم لما زالت دولة الملك المظفر أبي شنكير بيبرس الذي كان مريدا للشيخ نصر المنبجي عدو ابن تيمية، وعاد الملك إلى السلطان محمد بن قلاوون، أطلق سراحه من البرج فقدم القاهرة وتلقاه السلطان في محفل عظيم مشى فيه معه القضاة المصريون والشاميون، ثم سكن الشيخ بالقرب من المشهد الحسيني وأخذ الناس يترددون عليه والقضاة منهم من يعتذر إليه ومنهم من يتنصل. ثم لما رجع إلى دمشق أقام مدة يفتي ويحارب البدع والضلالات، وفي سنة «726ه» جاء مرسوم من السلطان باعتقاله من جديد في قلعة دمشق لأنه أفتى في السفر إلى قبور الأنبياء فتوى لم ترق خصومه من علماء الشام ومصر، فسعوا في اعتقاله فجاء المرسوم واعتقل، وفي سنة «728ه» أخرج ما عنده من الكتب والأوراق والأقلام ومنع من المطالعة والكتابة، وحملت كتبه إلى خزانة المدرسة العادلية، وكانت نحوا من ستين مجلدا وأربع عشرة ربطة كراريس، فنظر القضاة فيها وتفرقوها بينهم، وكان سبب ذلك أنه لما أفتى فتواه في زيارة القبور وقام عليه الشيخ الإخنائي الدمشقي استجهله ابن تيمية واتهمه بقلة البضاعة في العلم، فطلع الإخنائي إلى السلطان بمصر وشكاه إليه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من الكتب والأوراق، وفي هذه السنة مات ابن تيمية بعد أن أحيا ما درس من العلم والتفكير.
وما مناظرات ابن تيمية وأحواله إلا صورة من صور كثيرة كانت تقع في العالم الإسلامي عامة وهذين القطرين خاصة، وأمثال ابن تيمية كثيرون في القرن الثامن والتاسع، نذكر منهم الإمام إبراهيم بن خلف العسالي الدمشقي السنهوري الذي قال عنه السلامي إنه دخل إلى بلاد المشرق مرارا، وإلى بغداد ونيسابور وأصبهان وشيراز وحلب والأندلس والمغرب، وكان ينتحل مذهب ابن حزم الظاهري، وقد دخل مصر وعذب فيها وضرب وأخرج منها.