تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه الفترة ازدهر في الشام نوع من العلم والثقافة، وهو ما كان من تأثير الصليبيين في الشاميين وتأثير الشاميين في الصليبيين، وقد نتج عن ذلك نبوغ جمهرة من العلماء فازدهرت العلوم المسيحية وارتقت طبقات من المسيحيين علميا، ففي طرابلس مثلا ازدهرت مدرسة اليعاقبة التي بلغ العلم فيها أوجا عاليا، ولم تزدهر العلوم المسيحية وما إليها من الفلسفة والحكمة والآداب النصرانية في عصر مثل ارتقائها في هذه الفترة، ولم تقتصر هذه الحركة على الآداب المسيحية والفلسفة، فقد ارتقت العلوم العربية الأدبية والتاريخية بين النصارى، ونبغ فيهم أمثال أبي الفرج بن العبري المؤرخ العظيم، وغيره كثير من نبهاء النصارى الشاميين.

ولم تقتصر هذه الحركة على النصارى الشاميين، فإن المسلمين أيضا استفادوا مما جاءهم به الصليبيون من العلوم والحضارة فنشطت الثقافة الشامية، ولا شك عندنا في أن مصر قد استفادت من هذا النشاط الشامي، فإنها كانت قد انحدرت علميا من مكانتها في أواخر العصر الفاطمي لانصراف رجال الحل والعقد فيها عن العناية بالعلم وأهله إلى سفساف الأمور وحقائرها، وهكذا وفت بلاد الشام بعض ما لمصر في عنقها منذ القديم.

ولما دخلت مصر تحت النفوذ الأيوبي قضى صلاح الدين على المعاهد الفاطمية تماما، وفعل هو ورجاله أفعالا ما كان ينبغي أن تصدر عنهم، قال ابن أبي طي يذكر ما فعله رجال صلاح الدين بعد الاستيلاء على مصر: «ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت عجيبة من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة.» وقال السيوطي: «ووجد خزانة كتب ليس في الإسلام لها نظير تشتمل على ألفي ألف مجلد، منها بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلد، فأعطاها القاضي الفاضل.» وسواء أبيعت هذه المكتبة العظمى أم أخذها القاضي الفاضل وتصرف فيها فإنه انتثر عقدها وأصيبت مصر بها مصيبة عظمى لا تقل عن مصيبة الإسكندرية في مكتبتها.

ومما فعله صلاح الدين أيضا أنه قضى على جميع المؤسسات والآثار الفاطمية الشيعية، وأحل محلها المؤسسات الشافعية ونشر المذهب الشافعي، وقد استمر الأزهر مهملا نحوا من مائة سنة لا تقام فيه صلاة الجمعة، ولا تلقى فيه الدروس منذ سنة 567ه إلى سنة 665ه، وفي هذه السنة (665ه) سعى الأمير عز الدين أيدمر الحلي نائب السلطنة في إعادة بناء الجامع وإقامة الصلاة فيه، فجدد عمارته وأثثه وأنشأ فيه مقصورة ومنبرا جديدين، ورتب فيه دروسا لقراءة الفقه الشافعي. وقد عوض صلاح الدين المصريين عن أزهرهم ومكتبتهم بالمدارس التي أسسها في مصر على نمط مدارسه في الشام، فمما بناه فيها المدرسة الصلاحية بجوار الإمام الشافعي، وقد جعلها لتدريس المذهب الشافعي.

قال السيوطي: «هي أعظم مدارس الدنيا، ويقال لها تاج المدارس.» وقال ابن خلكان: «لما ملك صلاح الدين بن أيوب الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس، فإن الدولة العبيدية كان مذهبها مذهب الرافضة والشيعية، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فبنى صلاح الدين بالقرافة الصغرى المدرسة المجاورة للإمام الشافعي، وبنى مدرسة مجاورة للمسجد الحسيني بالقاهرة، وجعل دار سعيد السعداء خادم الخلفاء المصريين خانقاه، وجعل دار عباس الوزير العبيدي مدرسة للحنفية وهي المعروفة الآن بالسيوفية، وبنى المدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار للشافعية وتعرف الآن بالشريفية، وبنى بمصر مدرسة أخرى للمالكية وهي المعروفة بالقمحية.» وبعد عصر صلاح الدين كثرت المدارس في مصر والشام، وقد كانت هذه المدارس جميعا تتنافس وتتسابق، وقد قوي الاتصال العلمي في عصر هذه الدولة لا بين الشام ومصر فحسب، بل بين العالم الإسلامي جميعه، فكنت ترى العالم أو المتعلم المصري في مدارس حلب أو دمشق أو القدس أو الحجاز أو بغداد، كما كنت ترى العالم أو الطالب الشامي في مدارس القاهرة أو الإسكندرية أو دمياط، فابن العديم الحلبي المؤرخ الشهير كان كثيرا ما يقصد مصر ويلقى فيها مكانا وأهلا، والوزير ابن القفطي المصري (646ه) كان إذا قصد حلب موضع إكبار أهلها وعلمائها ورجالها، والعلامة عبد العظيم بن أبي الإصبع المصري الأديب (654ه) كان رفيع القدر في الديار الشامية، والمؤرخ سبط ابن الجوزي (654ه) قدم دمشق من بغداد واستوطنها، ثم رحل إلى مصر، وله في معاهدها ومدارسها آثار حسان، وابن أبي أصيبعة الحكيم المصري (668ه) أقام في الشام وأكبره علماؤها ورجالاتها، وعماد الدين عبد الرحيم بن العجمي الحلبي (670ه) كان نائب القاضي في الفيوم ثم في دمشق، والمحدث المؤرخ الدمشقي بن القلانسي أسعد بن المظفر (672ه) كانت له حلقات حديث وتاريخ في دمشق ومصر، والإمام النووي يحيى بن شرف (676ه) كان من كبار الأئمة الشاميين الذين أفاد المصريون من علمهم وفضلهم ودينهم، وكان من أعظم الشاميين أثرا في تقوية الصلات العلمية بين البلدين الإمام تقي الدين بن تيمية (728ه)، فهو الذي جدد الإسلام بعد دثوره وأحيا التفكير الصحيح بين علماء مصر والشام، ودافع عن ذلك دفاع الأبطال بعد أن كانت الفوضى العلمية منتشرة في القطرين - كما قال محمد عبده - تحت حماية الجهلة من الساسة، فجاء قوم ظنوا في أنفسهم ما لم يعترف به العلم لهم، فوضعوا ما لم يعد للإسلام قبل باحتماله، غير أنهم وجدوا من نقص المعارف أنصارا ومن البعد عن ينابيع الدين أعوانا، فشردوا بالعقول عن مواطنها وتحكموا في التضليل والتفكير وغلوا في ذلك حتى قلدوا من سبق من الأمم في دعوى العداوة بين العلم والدين، وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب هذا حلال وهذا حرام.

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ١٩