تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن هذان المعهدان هما الوحيدين من نوعهما في مصر، فقد حول المسجد العتيق - أعني مسجد عمرو ومسجد ابن طولون - إلى مراكز تذكر فيها الدعوة، أضف إلى ذلك مسجد الحاكم وغيره من المساجد، وقد صارت هذه المساجد كلها دور دعوة ونشاط فاطمي، ولكن دار الحكمة كانت أعظم هذه المراكز نشاطا، وفيها كانت تدرس علوم الفلسفة والحكمة والعقائد. أما الأزهر فقد كانت المذاهب الشيعية والفقه الشيعي أغلب عليه، وكذلك الأمر في المسجد الحاكمي.

أما المسجد العتيق ومسجد ابن طولون فقد ظل فيهما أثر من علوم أهل السنة، وفي دار الحكمة والأزهر وقصر الخلافة - في بعض الأحيان - كانت تعقد مجالس الحكمة ويشترك فيها كثير من كبراء الدولة ووزرائها وداعي الدعاة، وكانت هذه المجالس متعددة مختلفة بحسب طبقات الناس من رجال ونساء، وكان داعي الدعاة هو الذي يشرف على تنظيمها وترتيبها. وقد كانت المجالس في أول أمرها حرة علنية يلتحق بها من يشاء ويدرس فيها المرء ما يريد من المذاهب الفلسفية والدينية، ولكن هذا لم يلبث طويلا، فتحولت هذه المجالس - وبخاصة مجالس دار الحكمة - إلى مجالس سرية يعمل فيها الدعاة على نشر المذهب الفاطمي بطريقة عملية يمزج فيها بين الفلسفة والإلحاد والفقه الشيعي. ولهذه الدعوة مراتب ودرجات كالماسونية لا يتوصل الإنسان فيها إلى مرتبة أعلى من مرتبته إلا بعد الفحص والتجربة.

وقد اعتمد الفاطميون على هذه الدعوة في نشر سلطانهم السياسي في الشام، فقد انتشر المذهب فيه انتشارا قويا وعظم أنصاره، وخصوصا في عهد الحاكم وفي عهد آل عمار أصحاب مكتبة دار الحكمة في طرابلس، فقد أنشأها علي بن محمد بن أحمد بن عمار جلال الملك سنة 472ه وجعلها مقرا لنشر المذهب، وغذاها بالرجال والكتب والأموال، فأصبحت طرابلس مركزا من أعظم المراكز الشيعية في بلاد الشام. ويجب أن يعرف أن المذهب السني لم ينقرض في هذه الفترة، فقد ظل في الشام، بل في مصر نفسها، جماهير من رجال السنة نذكر منهم أبا نصر السجزي الحافظ المحدث (444ه)، وقد كان يتنقل لنشر الحديث ومذهب أهل السنة بين الشام والعراق ومصر، وقد أقام في مصر طويلا وبها مات، وله فيها وفي الشام تلاميذ كثر. ومنهم محدث مصر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال (482ه) وكان ثقة صالحا تلقى العلم عن شيوخ الشام ثم رحل إلى مصر وأقام فيها ينشر الحديث.

وهؤلاء كما ترى كلهم من كبار أئمة الحديث في العالم الإسلامي، أما الفقه السني فقد كان له في مصر أيامئذ شيوخ رحل إليهم كثير من الشاميين أمثال أبي الحسن عبد الملك بن مسكين المعروف بالزجاج الفقيه (447ه)، وأبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي الأديب الفقيه (454ه)، وكان إماما تولى قضاء السنة في الديار المصرية ورحل إليه العلماء من جميع الأقطار، ومن تلاميذه محدث بغداد الأشهر الخطيب البغدادي. ومنهم أبو القاسم علي بن محمد المصيصي (487ه) روى عنه الحديث جماعة بمصر والشام والعراق، ومن أعظمهم الإمام المحدث أبو الحسن علي بن الحسين الخلعي المصري (492ه)، وكان أعلى أهل مصر إسنادا، وله كتاب الخلعيات في الحديث وهو من الكتب الموثوقة. ومن فقهاء المالكية الذين كانوا في مصر في العصر الفاطمي رجاء بن عيسى الأنصاري (490ه)، وغير هؤلاء كثير.

فأنت ترى أن الفاطميين على الرغم من محاولتهم القضاء على الفقه السني والمذاهب السنية في الشام ومصر لم يستطيعوا ذلك، فقد ظل في الشاميين والمصريين رجال يحفظون مذهب السنة ويعملون على محاربة البدعة الفاطمية.

ولما انتهى الدور الفاطمي في بلاد الشام أخذت البلاد تستقل ثقافيا وعقليا ومذهبيا عن مصر، فإن الأمراء الذين امتلكوه أخذوا يؤسسون المدارس الجديدة، ففي سنة 515ه أنشئت أول مدرسة في حلب، بناها الأمير بدر الدولة سليمان بن أرتق لأهل السنة، ثم جاء بعده الأمير نور الدين محمود بن زنكي فأنشأ مدرسة ثانية في حلب سنة 548ه وجعلها للقاضي ابن عصرون لنشر المذهب الشافعي، كما بنى للقاضي نفسه مدارس في دمشق وحماة والقدس، وفي دمشق أنشأ أول دار للحديث في الإسلام، ثم جاء من بعده صلاح الدين فأكثر من إنشاء المدارس السنية في العواصم الشامية كحلب ودمشق وحماة وحمص والقدس.

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ١٨