تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم مكحول أبو عبد الرحمن محمد البيروتي الحافظ (321ه) وكان من القضاة العالمين بالحديث، وله تلاميذ كثيرون في الشام ومصر، وله فضل عظيم على القطرين، وهو معدود من كبار من أنجبهم الشام.

ومنهم أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي قاضي مصر (302ه)، أقام في مصر ثماني سنين، ثم تولى قضاء دمشق فأدخل فيها المذهب الشافعي كما تقدم، وولده الحسين (327ه) كان من القضاة الذين جمع لهم بين قضاء مصر والشام.

ومنهم محمد التميمي المقدسي، وكان مختصا بالحسن بن عبد الله بن طغج، وكان ذا أدب وعلم وفضل.

ومنهم الحسن بن القاسم بن جعفر بن دحية الدمشقي المؤرخ (327ه)، أقام بمصر وأفاد، وله من المؤلفات شيء كثير، وكان محدثا أخباريا.

أما المصريون الذين رحلوا إلى الشام وكان لهم فيه أثر علمي ملموس فكثيرون، نذكر منهم الحسين بن أحمد بن رستم المعروف بابن زنيور المارداني، كان أحد كتاب الطولونيين، قدم دمشق بصحبة أبي الجيش بن طولون، وحدث بدمشق وكان من نبلاء الكتاب العلماء.

ومنهم أبو بكر عبد الله بن محمد الخبيصي (348ه)، وكان من أفاضل القضاة والفقهاء، تولى قضاء مصر والشام وحسنت سيرته.

ومنهم أبو طاهر محمد بن عبد العزيز الإسكندراني الشافعي (359ه)، وقد ذهب إلى دمشق وحدث بها وأفاد، وكان من أئمة الشافعية بها.

ومن البغداديين المتمصرين الذين وفدوا على الشام وكان لهم فيه أثر؛ أبو علي خادم الخليفة المنتصر بن المتوكل، قال الذهبي: «وكان من أئمة المذهب الشافعي، فلما قتل مولاه خرج إلى مصر، ثم ذهب إلى الشام وأقام بها يقرئ بجامع دمشق.»

ومنهم أبو الطاهر محمد بن عبد الله البغدادي المالكي (367ه)، كان شاعرا أخباريا أديبا، ولي قضاء واسط وبغداد، ثم ولي قضاء مصر ودمشق واستناب على بغداد.

هذه هي لمحات موجزة عن الصلات العلمية والأدبية التي كانت بين البلدين في القرون الأربعة الأولى، فلما جاء العصر الفاطمي قويت العلاقات وتلونت بلون جديد؛ لأن الفاطمية وإن كانت دولة سياسية فإنها كانت تعتمد على فكرة وعقيدة دينية ومبادئ علمية خاصة، وطبيعي جدا أن هذه الدولة كانت تسعى إلى نشر فكرتها وعقيدتها التي جاءت بها من مقرها، وطبيعي أيضا أن يعمد الفاطميون إلى نشر الدعوة الشيعية التي ينضوون تحت لوائها، وقد كان أول الخلفاء الفاطميين في مصر المعز لدين الله يتسم بسمة الإمامة أكثر من اتسامه بسمة الملك والسلطنة، فكان يعظ الناس بنفسه ويخطبهم ويلقنهم المبادئ الفاطمية، وكان فصيحا ذكيا قوي العارضة، وما إن استقر أمر الدعوة رسميا في مصر حتى سعى الفاطميون إلى نشر الدعوة في غير مصر من البلدان المجاورة، والشام أقرب تلك البلاد إلى مقر الدعوة.

كان يسيطر على الشام أيامئذ طائفة من غلاة الشيعة هم القرامطة، وقد كانوا قبل دخول الفاطميين إلى مصر والشام دعاتهم في تلك البلاد، فلما احتل الفاطميون البلاد تنكر لهم القرامطة في الشام وثاروا عليهم وخافوا أن يسيطروا على الشام كما سيطروا على مصر، فكانت بين الفريقين وقائع، والتقى الطرفان في الشام حتى دحر القرامطة وثبت أمر الفاطميين فيه، فأخذوا يبثون دعاتهم لينشروا مذهبهم وعقيدتهم، وكان الأزهر - الذي قد أسس وتم بناؤه في سابع رمضان سنة 361ه - ودار الحكمة - التي تم بناؤها في عاشر جمادى الأولى سنة 395ه - هما المقرين الرئيسيين لدعاة المذهب، ومنهما كانوا يخرجون إلى الشام فينشرون الدعوة ويعودون ليتلقوا التعليمات الجديدة والدروس. وقد قوي أمر هذين المقرين الثقافيين وانتشر صيتهما في العالم الإسلامي وقصدهما الناس من أقصى الأرض، فهذا الرحالة الفارسي الشاعر المؤرخ ناصر خسرو يقصد دار الحكمة من بلاد فارس ويصل إليها في سنة 439ه، ويدرس فيها ويتلقى التعاليم من داعي الدعاة ثم يعود إلى بلاده لينشر المذهب، وطبيعي أنه كان في طريقه على الشام ينشر فيها مذهبه. وممن قصدها أيضا من بلاد فارس الحسن بن الصباح مؤسس المذهب الإسماعيلي الباطني، ومنهم العالم الأندلسي عبد العزيز بن أبي الصلت، وكانت زيارته في القرن السادس، ومنهم عبد اللطيف البغدادي وكانت زيارته في القرن السادس أيضا.

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ١٧