تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فسوء عاقبة المثوى لمن كذبا

فتح به فتح الدنيا محمدها

وفرج الظلم والإظلام والكربا

ومن الشعراء المصريين الذين زاروا الشام وأكبرهم أهله الحسن بن عبد السلام الجمل (سنة 258ه)، وقد كان بارعا في شعره، قدم دمشق على الحسن بن المدبر الذي كان يقصده الشعراء ويمدحونه، وقد حكى ابن عساكر عن الجمل هذا قصة طريفة خلاصتها أن ابن المدبر كان إذا مدحه شاعر بشعر جيد أثابه، وإذا مدحه بشعر قبيح وجه به مع خادم له إلى الجامع فلم يفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم ينصرف، وقد دخل الجمل مرة على ابن المدبر فأنشده:

أردنا في أبي حسن مديحا

كما بالمدح تنتجع الولاة

وقالوا أكرم الثقلين طرا

ومن جدواه دجلة والفرات

وقالوا يقبل المدحات لكن

جوائزه عليهن الصلاة

فقلت لهم وما يغني عيالي

صلاتي إنما الشأن الزكاة

فيأمر لي بكسر الصاد منها

فتضحى لي الصلاة هي الصلات

قال: فقال لي ابن المدبر أخذت هذا من أبي تمام:

هن الحمام فإن كسرت عيافة

من حائهن فإنهن حمام

فقلت: نعم، وأعطاني وأجزل.

ومن الشعراء الشاميين ذوي الأثر في مصر أبو الطيب المتنبي، وقد ظهر أثر هذه الزيارة في شعره وفي مدائحه لكافور وأهاجيه فيه، وقد كان لشعر المتنبي تأثير كبير في الشعراء المصريين كابن أبي العفير الأنصاري، وأبي بكر محمد بن موسى الكندي، وعبد الله بن أبي الجوع، وصالح بن رشدين، وغيرهم من الشعراء الذين انقسموا ما بين حاسد يضع من شعره، وصديق يرفع من قدره.

ومن الشعراء الشاميين الذين زاروا مصر واتصلوا بها اتصالا قويا وكان لمصر تأثير في شعرهم؛ كشاجم الرملي الفلسطيني، وكان كثيرا ما يزور مصر ويحن إليها إذا ما تغيب، ومن شعره الذي يذكر فيه مجالي لهوه فيها قوله:

قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني

فاليوم عدت وعادت مصر لي دارا

أعدو إلى الجيزة الفيحاء مصطبحا

طورا وطورا أرجي السير أطوارا

أما الشباب فقد صاحبت شرهم

وقد قضيت لبانات وأوطارا

من شادن من بني الأقباط يعقد ما

بين الكثيب وبين الخصر زنارا

وقال يصف دير القصير وحلوان ويذكر أيامه فيهما:

سلام على دير القصير وسجنه

فجنات حلوان إلى النخلات

هنالك تصفو لي مشارب لذتي

وتصحب أيام السرور حياتي

وقد كانت لكشاجم جولات في وصف دور القاهرة وأحوال أمرائها، كما كانت له جولات في وصف دور حلب ودمشق وبلاط سيف الدولة، وكانت له مواقف مع كافور الإخشيدي والقاضي عبد الله بن محمد بن الخطيب، فقد هجاهما وله معهما مواقف وفصول مضحكة.

ومن الشعراء المصريين الذين وفدوا على الشام ونشروا فيه شعرهم أبو الحسن محمد بن سلمى المعروف بالمغنم الشيباني، وفد على سيف الدولة - كما يحدثنا ابن النديم - فأكرمه وعظم قدره. ومنهم الشاعر المصري الفحل ابن جدار جعفر بن محمد، وكان أكبر شعراء مصر، وكان كاتبا للعباس بن أحمد بن طولون، ولشعره أثر كبير في إثارة العباس على أبيه أحمد بن طولون. ومن شعراء مصر الذين جاءوا بلاط سيف الدولة ابن أبي الجوع وابن رشدين، وكان سيف الدولة يغدق عليهما عطاياه.

ومن الشعراء البغداديين الذين كانوا ينتقلون بين الشام ومصر فيفيدون من القطرين وينقلون إليهما ما كانت تنتجه قرائح البغداديين؛ جمهرة كثيرة نذكر منهم الناشئ الأصغر علي بن عبد الله (366ه)، كان شاعرا لسيف الدولة ولكافور، ومنهم ابن طباطبا الشريف العلوي (345ه)، ومنهم أبو الفيض سوار بن شراعة، وكان صديقا لابن الداية الكاتب المصري الكبير، وهو الذي نشر شعر ابن الداية في العراق والشام.

هذا طرف من أخبار الشعراء الذين قووا العلاقات الشعرية بين البلدين. أما العلماء فأكثر وأخبارهم جد موفورة، وقد كانت مصر للعلماء الشاميين خير ملجأ يلجئون إليه ويتفيئون ظله، فمنهم المنجم الصابئ البعلبكي، قصد مصر وصار من رجال الإخشيد محمد بن طغج.

ومنهم عبد الله بن يوسف الدمشقي (218ه) راوي الموطأ بمصر وكان يقيم بتنيس، قال الإمام البخاري عنه: «كان من أثبت الشاميين.»

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ١٦