تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن سواد الناس بيننا لا يلقون البال لحالتهم المعنوية، وغريزتهم النفسية، فلا يمتعونها بما يصلحها ولا يرفهونها بما يدخل السرور عليها، ولا يهذبونها بما ينمي ملكة الخير والنزوع عن الشر فيها، وهم في هذا الإهمال صنفان متباينان:

صنف متزمت رجعي متحجر، يتجاهل طبيعته، ويكبت عواطفه، ويحاول أن يخنق أنفاس نفسه، ويقتلها شر قتلة لو استطاع، يريد هذا الصنف المتطرف أن يغير خلق الله، ويحرم نفسه متعة الحياة وبهجتها، فلا ينفك في صراع عنيف معها طول حياته، إلى أن يسقط صريعا مخذولا، ولو كان أرخى العنان لنفسه بمقدار، وصرفها بحكمة وتبصر، وأسامها حيث يطيب لها المرعى وهو حذر يقظ، لكان أنفع له وأقوم، إلا أن هذا الصنف جد قليل، وفي تناقص مستمر.

والصنف الثاني هم الذين يفتحون الباب على مصراعيه، ويندفعون كالحمر المستنفرة فرت من قسورة، ويهيمون تحت تأثير عواطفهم الجامحة، وغرائزهم المشبوبة، لا سلطة لهم عليها، ولا يملكون معها نقضا ولا إبراما، فلجامها قد أفلت من أيديهم، وزمامها قد تقطع بهم، تسير بهم في جموحها إلى الهاوية، وتدفع بهم إلى المصير المحتم، فهؤلاء مع الأسف هم السواد الأعظم، والكثرة المطلقة، وهم أشبه بالحريق الهائل الذي يجتاح بلدا، ويلتهم كل ما يلقى من حديد وحجارة.

وأما الصنف الوسط الرشيد الذي يعرف كيف يصنع من الطين خزفا، ومن العجائن الكيماوية زجاجا شفافا، ويتخذ من الغرائز البشرية قوام الحياة وأسها المتين، فهؤلاء هم الذين نبكيهم ونندبهم ونتطلبهم، فالحياة بدونهم متعطلة، والأعمال مختلة، والقيم مفقودة، فلا يرجى لأمتنا كيان ما لم يكونوا هم سادتها وكبراءها، ولا سبيل إلى العمل المثمر ما أنكرناهم وتجهمنا لهم، فالأدب بمعناه الواسع ترياق النفوس، ولقاح القلوب، وغداء الأرواح، ونور الحياة، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر، ومن أهمله وجهل قيمته خسر خسرنا مبينا.

المعسول · الصفحة ٩٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٩٤٩