وإذا أردت شاهدا آخر على ذلك فانظر إلى بلدتنا هذه وهي أم المدن لدينا استعرض شوارعها وأزقتها، وابحث عن مكتبة واحدة عربية عصرية، تمد المواطنين بما يحتاجون إليه، وتسهل لهم أخذ ما يريدون بأثمان معتدلة معقولة فإنك لا تجد ولو مكتبة واحدة من هذا القبيل، في حين أنك تجد متاجر لا تحصى، كدست فيها البضائع من كل صنف، المجلوبة من كل أرض، حتى من الشرق الأقصى، والجزر النائية، ولو وقفت مليا بأبوابها تنظر إلى الزبائن الذين يرتادونها، لرأيت أن معظمهم من نسائنا ورجالنا، وفيهم الجبليون والقبليون بكثرة، فهم الذين يروجون البضائع على اختلافها، ويستهلكون جميع المعروضات مهما غلت وارتفعت أثمانها، إلا ما كان من المكاتب وما إليها فلا يكاد أحد منهم يعرج عليها، ويساوم ما فيها على قلته وندورته.
أليس هذا دليلا على فقرنا الأدبي، وهزالنا المعنوي؟ أليس أن الناس يمتدون ونحن ننكمش، وحياتهم تنمو وتعظم، ونحن نتقلص ونتفانى؟
كنت في يوم قريب مع جماعة من أهل الفكر والنظر، دار بينهم الحديث حول ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، فصاروا يقدرونها، ويضعون لها مقدارا وسطا، وعدوا في المصروف اليومي كل ما يمكن أن يشترى من السوق، حتى الثقاب والمكنسة ( الوقيد والشطابة ) وعجبت حين لم أسمع أحدا منهم ذكر ثمن 296/2
297/2 صحيفة أو رواية أو كتاب أو قلم أو تذكرة سينما، أو أسطوانة وشبهها، فقلت في نفسي أين هؤلاء السادة من لوازم الحياة الحق؟ ما بالهم يلبون جميع مطالب الجسم بسخاء واعتناء، ولا يولون جانب النفس أية أهمية، ولا يعيرونها أدنى التفات؟ ألم يسمعوا بقول الشاعر النصوح:
عليك نفسك فاستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان