تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأية أزمة أشد هولا من هذه الأزمة الأدبية التي ثقلت علينا وطأتها، وطال علينا لمدها حتى كان ليلها ليس له صباح ولا لمقامها براح؟ 295/2

296/2

فهل تستطيع أمة على ظهر الأرض أن تحيا – ولو حياة سطحية مجردة – من غير أن تغذي عواطفها كما تغذي أبدانها وعقولها؟

فالغذاء الأدبي ضروري للحياة البشرية، لا غناء عنه أبدا، فمن حرم منه حرم من زيت الحياة، ومن إكسيرها وسرها اللدني، فالحياة الحق لا تأتي من شرايين الجسد، ولا من لفائف الدماغ، وإنما تتفجر من ينبوع النفس، وتتدفق من قرارة القلب، ومن سريرة الوجدان، فهذه الأسرار أو الأزرار على الأصح لا يمكن أن تعمل بجد ونشاط، وتفيض قوة واقتدارا، وتنبض بالحياة الحارة، إلا إذا تعهدت وتفقدت، وأطمعت من قوتها الروحي، ومما تشتهي من غذائها الأدبي، وإذا أهملت وأسيء إليها وتقلصت وتبلدت، وشلت الجسد، وعطلت الدماغ.

لا أدري لم يكدح الناس عندنا طول يومهم، وهم في تعب ونصب لا يوصفان حتى إذا عادوا إلى بيوتهم جاءوا وفي أيديهم ما يملأ الموائد، ويتخم البطون، ويجعل أجسامهم وأنعامهم سواء، وقل فيهم جدا من يتنبه لحاجاته النفسية عند عودته إلى المنزل، فيمر على المكاتب والنوادي والمراكز الأدبية، فيتزود منها ما يقضي به سحابة يومه، ويروح به عن نفسه وأهله، ويجدد به نشاط غده، فهذا شأن الناس عندنا، يعيشون في أزمة أدبية، وجوع نفسي دائم وهم لا يشعرون.

المعسول · الصفحة ٩٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٩٤٧