تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما الذي يبعث الألم حقيقة، ويدعو إلى مزيد الحسرة وعظيم الأسف، أن تقوم في البلاد أزمة خانقة، وتعظم بلواها ولأواها، وتأخذ بالأنفاس من سائر الناس، وتسبب لهم كبدا ونكدا أينما ساروا وأينما حلوا، في الشمال والجنوب، في الحواضر والبوادي، في المداشر والمدائن، في الأسواق والطرقات، في البيوت وسائر المنتديات، ثم لا نجد من يتفطن للبلوى، ويجأر بالشكوى ويرفع عقيرته مناديا لكشف الغمة، وتفريج الأزمة.

فإذا أصيب المرء بداهية، وهو لا يدري من أين أصيب، فهنالك الطامة الكبرى، والفجيعة العظمى وكذلك الشخص الذي يحسب أنه معا في سليم مع اصفرار لونه، وتغير سحنته، فهو لا محالة هالك إن لم يتفطن لما ينخر جسمه، وينهك قواه، وإذا طال البلاء بشخص دخل في طبيعته واستطاع أن يتحمله مع مرور الزمان، وقل أن يشكو منه، ويأبه له، وقديما قال الشاعر العربي الحكيم، وهو المتنبي:

من يهن يسهل الهوان عليه *** ما لجرح بميت إيلام

فإلى هذا نرد هذه الاستكانة الظاهرة من حال شعبنا البئيس المحروم، فكأنها راحة الموت، أو رقدة على حسك السعدان استطابها من طول المران، إلا أنه – والحمد لله – بدأ يتململ ويطرف، ويريد القيام بعد هذا السبات الطارئ، والركود الفجائي.

أصيب هذا الشعب بعلل شتى، وأمراض كثيرة، لم يتفطن لمعظمها، ولم يعمل للخلاص منها إلى الآن إلا قليلا، أشدها هولا في نظري هذه الحالة النفسية المنقبضة المتجهمة، التي استولت عليه منذ زمن بعيد، والتي يرجع سببها فيها أرى إلى الفقر الأدبي، والعوز الروحي، مما سميناه ( الأزمة الأدبية ) فلقد أصيب بها وسطنا، واشتدت عليه وخنقت منه الأنفاس، وجعلته لا يشعر الشعور الكافي، ولا يحسن الإحساس القوي، ولا يتأثر بما يحيط به من أحداث وكوارث.

فأية أزمة أضر بالأمة من أن تعيش وهي محرومة مما ينمي فيها المدارك، ويحيي المشاعر، ويؤجج العواطف، ويحرك الوجدان، وكوامن النفوس؟

المعسول · الصفحة ٩٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٩٤٦