والشاهد الثاني – أن المؤرخين أطبقوا على أن الحمورابيين قدموا من غرب العراق، وأنهم من البادية، غلبوا السومريين على ملك العراق، وورثوا حضارتهم وملكهم، فهذا يشبه بطريق القياس والمقارنة، ما كان عليه بنو لخم وغسان قبيل الإسلام، إذ كانوا يعيشوا على تخوم العراق والشام، وينالون من ملك كسرى وقيصر شيئا فشيئا، ولما سنحت لهم الفرصة بظهور الإسلام انقضوا على ملك فارس، وأسسوا الدولة العباسية الشامخة البنيان الموطدة الأركان، فلا يبعد أن يكون عملهم هذا سبقت له بادرة، وكانت له أمثولة في ذلك الزمن الغابر. 293/2
294/2
الشاهد الثالث – أن لغة الحمورابيين التي خلفوها وكتبوا بها قرميداتهم وشريعتهم، شديدة الشبه باللغة العربية، قريب بعضها من بعض حتى لا تدري أيهما أصل للآخر، فأصول الكلمات، وقواعد التركيب متماثلة متقاربة، من ذلك أن حركات الإعراب الثلاث ( الرفع والنصب والجر ) توجد فيهما على حد سواء، وكذلك التنوين، فإنه في لغة بابل ميم ساكنة، وفي العربية نون ساكنة، وهما تتبادلان وتتناوبان، كما هو معروف، وكذلك علامة الجمع فهي في البابلية ( ون ) كما في العربية وكذلك كلمة ( ذو ) فإن البابليين يستعملونها للموصول بدل ( الذي ) فكذلك قبيلة طئ تستعملها وتقول ( فلان ذو سمعت ) أي الذي سمعت، قال شاعرهم:
فإن الماء ماء أبي وجدي *** وبيري ذو حفرت وذو طويت
أي بيري التي حفرتها وطويتها، فهذه لغة أثرية، تدل على شدة أواصر القرابة بين العرب والحمورابيين.