تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن أعظم أثر وصل إلينا من أهل بابل أو العرب القدماء، هو شريعة ( حمورابي ) المدونة في أواسط القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، فهي أقدم أثر علمي باق إلى اليوم بل هي أقدم كتاب في موضوعه وصل إلينا سالما كاملا لم يلحقه عطب، ولا ناله تغيير يذكر، فهو أثمن ذخيرة علمية على الإطلاق، فإذا صح – كما هو الراجح – أن الحمورابيين عرب كان أقدم أثر علمي عند العرب يرجع بتاريخه إلى ما ينيف على أربعين قرنا أو أربعة آلاف سنة.

عثر على هذا الأثر سنة 1901 م في بلاد السوس ببلاد فارس، وجد منقوشا على مسلة طولها سبع أقدام، من الحجر الصلد الأسود، كتب بالحرف المسماري المستعمل عند البابليين والمعدود أصلا من أصول الخط العربي، ولغته بابلية قريبة من اللغة العربية، ولا يخفى أن ما نلاحظه من الفروق والتغيرات بين اللغة والخط العربيين في عهدهما الأول، وحالهما في العهد الثاني زمن الإسلام، ليس شيئا إذا قيس بمئات القرون، وبما يأتي على الأمة من صروف وظروف، وما تتقلب فيه من أهوال وأحوال، فإذا قلنا أن شريعة ( حمورابي ) أثر عربي، لا نعني أنها في منزلة الشعر الجاهلي مثلا يستطيع كل عربي أن يقرأها ويفهمها، وإنما نعني أنها عربية الجنس، عربية الصبغة، عربية المبدأ مثل عرب اليمن القدماء، فلا يشك أحد في عروبتهم، وإن كان لهم لسان لا يفهمه العرب المسلمون، ولهم خطهم المعروف بالسند، لا يقرأه أحد من المتقدمين، وهم الذين قال فيهم أبو عبيدة: وما لسانهم بلساننا، ولا كلامهم بكلامنا، فإذا جاز هذا على أهل اليمن على قرب ديارهم، وإدراك الإسلام إياهم جاز على الحمورابيين بالأحرى، وحكم الواقع.

المعسول · الصفحة ٩٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٩٤١