والعجب أن مهد النشأة الثانية التي نعلمها ونعقلها، هو نفس المهد للنشأة الأولى، فالأرض التي تدرج عليها الكتاب العربي في عهد الرشيد والمأمون، هي التي درج عليها قبل ذلك بقرون وقرون، ففي بلد الرافدين، أو في العراق 290/2
291/2 البلد الطيب المبارك زرع العرب الأولون: الحمواربيون نتاج عقولهم، وثمار حضارتهم، كما فعل أخلافهم وأعقابهم من بعدهم.
فالتاريخ يعرف أن وادي الفرات كان أسبق البقاع في قارة أسيا إلى انتاج العلوم والفنون، منذ أقدم عهود التاريخ، ففيما بين النهرين: دجلة والفرات اشتغل أقوام بالعلم والأدب، وضربوا فيها بسهم وافر، وتمتعوا بما لم يتمتع به أحدا، فضبطوا العلوم، ورصدوا الكواكب، وعرفوا مواقع والنجوم ومسالكها، وسموها بأسمائها، وساروا تحت أنوارها وأضوائها، والعالم حولهم في ظلام دامس، وليل قاتم، كما أن وادي النيل الخصيب المريع أسبق بلاد الشرق إلى النضج الفكري، والنبوغ العلمي، ظهرت فيه طائفة من كبار العلماء قبل فجر التاريخ، أي منذ نحو ستة آلاف سنة، ونذكر بهذه المناسبة أن الحفريات وقفت هناك على كتابة منقوشة فوق قبر، يفخر فيها صاحب القبر بأنه كان يتولى إدارة الكتب المختصة بالدولة، في عهد الأسرة السادسة، أي منذ نحو خمسة آلاف سنة، فهذا يدل بطبيعة الحال على وجود الكتب بكثرة في ذلك العهد السحيق في ذلك الوادي المبارك.