وبعد فكيف إبراهيم الثاني هذا التطواني الذي نراه الآن بين أيدينا؟ أنه ذلك الأستاذ العظيم الذي قضى زهاء عشرين سنة في التعليم والتخريج، فقد كان أولا في ( معهد مولاي الحسن ) مع الأستاذ الكبير المكي الناصري، ثم كان في مدرسة حكومية أخرى، فأمكن له بأكبابه وحسن نظامه أن يمر بين يديه طبقات من كل الذين استتموا بعده دراستهم في ( أسبانية ) وفي ( مصر ) حتى أن كل من ألقاه من الشباب المثقف في الشمال يفتخر بأنه من تلاميذ الأستاذ ( إبراهيم الإلغي ) حتى أن بعض المنكتين من بعض الحواضر قال في مجمع يوما، أن المختار وأخاه إبراهيم ينتسب إليهم في ( مراكش ) و ( تطوان ) كل من دب ودرج، وقد كان إبراهيم الإلغي استطاع أداء هذه المهمة بتباعده ظاهرا عن التحيز إلى هيأة من الهيئات، وإن كان وطنيا في قرارة نفسه، فتفرغ لأداء مهمته، ثم كان لانزوائه الغريب عن المجتمعات سنين طوالا، أثر في 288/2
289/2 زيادة انكماشه، حتى كان ذلك مما طبع به من صغره، مع أن ذلك إنما حدث فيه منذ انزوى في ( تطوان ) ثم استطابه فعض عليه بالنواجذ، وقد عرف هناك بالتمكن في الأدب العربي العالي، فيتحاكم إلى ذوقه وينبه على السرقات في قصائد الشعارير، بل أعلن يوما عن قصيدة مسروقة من ( ديوان علي جارم ) ، غفل عنها كثيرون من المصيخين لها، وبهذا الإكباب على الأدب العربي استطاع أن يخرج كتابا أدبيا مدرسيا في جزءين وهو مطبوع، كما كانت له مؤلفات أخرى عربية مطبوعة كسلسلة، فقرر الجميع للدراسة الرسمية إذ ذاك.
زرت مولانا الملك محمدا الخامس يوم رجع من سفرة ( طنجة ) المعلومة، فقال لي: عجبا أن شابا ألقى أمامي قصيدة في الشمال فقيل لي أنه أخوك إبراهيم، فأعجبني فوصيت عليه الخليفة مولاي الحسن، قلت له إنه من أسرة لها عندنا مقام عظيم، هكذا قال لي الملك، فزادت تلك التوصية المترجم مقاما إلى مقام، فنال الشفوف في البلاط الخليفي.