نهارا، حتى استحالت أرض المكان زرقاء ( كأن لون أرضها سماؤها ) وقد ضعفت سماء البيت عن الاستمساك، حتى جعل ابن أمكم يتلقى الوكفات بكلتا الكفين، بعدما ثقل بالابتلال من أرديتنا كل ما خف، فكان كل ما تشتغل به ألسنتنا ترديد قولنا ( اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والأكام ) اللهم استجب دعاء الأبوصيري في قوله ( على الربا والهضاب انهل وانسجم ).
وأصبح كل منانا أن نجد منقشعا من السواجم لنرجع إلى بيوتنا، وقد قنعنا من الغنيمة بالإياب، واجتوينا رؤية هذه الروابي والهضاب، فنترجى بعدما أنستنا أسواط السماء ببروقها ورعودها، ومنهمر مائها الدائم، ما كنا خرجنا إليه، أن نرجع كفافا، لا لنا ولا علينا، ولكن هيهات أن يصحو أديم الجو، وأن يسفر بعد أن تقنع بسحب دكناء، فإن أسفر حينا وتراءت لنا لمع 286/2
287/2 منه، كما تتراءى لمع المحيا الوسيم، من تحت قناع خلق تتخلله شقوق الوصاوص ( (1) ) فما ذلك إلا ليرجع كرة أخرى إلى تجهم جديد، وأنهما رينسى% ما تقدمه، وهكذا دواليك، إلى أن استدار ليل ونهار، فأيقنا أن الحزم يقضي بالرجوع على أدراجنا، لأن أحسن المنتزهات في الأيام الممطرة الغرف الدافئة، وقد اتكأت على أريكتها تتمتع من هناك بالجو المكفهر من نافذتك، فأبنا يومنا هذا، وقد حمدنا سلامة الأياب، عاقدين العزائم على أن لا نعود لمثلها أبدا، مادامت في السماء قزعة، وأن لا يغرنا من فصل الشتاء سحاب عارض.
(1) الوصواص: خرق في الستر بمقدار ما تنظر منه العين، قال الشاعر :
وشففن الوصاوص والعيونا