وبعد تهنئتكم بعيدنا الوافي، أبلغكم تحياتي وسلامي المصحوبين بكل اشتياق وتحنان، إلى زيارتكم وملاقاتكم التي لم يصدني عنها إلا أمور نفسانية وعلائق ودية، مع آخرين متشبثين بالأذيال، لنقضي معهم أيام الأفراح والمسرات في هذا العيد، علاوة على تهاطل الأمطار، واسترسال أنابيبها لغسل الأوحال العائقة عن الانتقال والترحال، ولد حض الأتراح العالقة بالقلوب والنفوس وكان من أمر الأقدار بنا مطية الآمال إلى بعض الأدغال، حيال الرباط برسم التجوال، وترويح الخاطر من عناء الدرس والمطالعة، بعد ما شاهدنا صفاء الأديم، وبروز الغزالة من وراء الغيوم، لتحيي الآمال، وتبعث الحياة في النبات والحيوان، وقد أشعت على الفضاء بحرارتها الدافئة فترة من الزمان حقا اغتررنا بها واستهوتنا كما تستهوى سحابة الصيف قافلة من قوافل الصحراء، فأرسلنا للراحة عنانها، حتى استقرت بنا تحت خيمة تقلها دعامتان، وتبسطها أطناب وأوتاد، يسكن في زاوية منها خرفان صغار، وفي أخرى هرة وأولادها، وفي ناحية نساء مع أطفالهن الذين لا يفترون عن النحيب والعويل، حين كانت الطاهيات يهيئن لنا الطعام، وقد أوقدن جذورا لعلها رطبة فملأت سماء البيت دخانا وظلاما، وفي الوسط قافلتنا المتركبة من ثمانية فأكثر، وقد استردنا فيما بيننا، ويطرقنا من النواحي غثاء الحملان ومواء السنانير ونباح الكلاب الخافرة للحي، كأن كل واحد – عند نفسه – شرطي في معقله، تشول بأذنابها كما يشير بدبوسه، وتكشر عن أنيابها كما يصوب بنادقه ومسدساته، وتملأ الفضاء بنباحها، كما يلقي أوامره وضوابطه وهناك ألقينا عصا التسيار، لنأخذ منه إلى مرحلة أبعد، فحمدنا مستقرنا، وشكرنا مثوانا، باعتناء أرباب البيت الرافع العماد، الكثير الرماد، فلئن كان المجازيون يتخيلون ذلك فنحن شاهدناه حقيقة لا خيالا ولا مجازا ولا كناية، ثم أرادت الطبيعة أن تحاكي جود رب مثوانا ورباته، فأرسلت سحبها غيثا مدرارا، لم ينقطع ليلا ولا
المعسول · الصفحة ٩٣٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ٩٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي