ومزايا المعسول غير مقصورة على ناحية الكم، فكما امتاز بعدد أجزائه حتى يمكن عده الكتاب المغربي الثالث، كذاك يمتاز من جهة الكيف بما انفرد به من تراجم الرجال وحقائق الأخبار وتفصيل الوقائع وتاريخ الحوادث وإيراد الأشعار وتسجيل أيام المقاومة ومواقف الجهاد وتراجمه الكثيرة الجامعة لطائفة كبيرة ممن كانوا بسوس من العلماء والأدباء والصالحين والرؤساء وما كان يجري بينهم في زوايا العبادة وحلق التدريس ومجالس الأدب ومعترك النزاع في مواسم الطلبة في الإنشادات وفي المراسلات ما بين الناشئين من المبتدئين فضلا عن الأدباء الماهرين وفي مجاذبة النوازل الفقهية كما فيه أخبار السياسة والحرب للعلم والإرشاد والدين والزوايا والمدارس والخزائن وبيوت العلم والرياسة بحيث يكون مطالعة على علم ودراية لحقيقة الأحوال في إقليم كبير من أرض المغرب قل الاعتناء بتدوين أخباره ونشر أنباء أحباره وهو في كل ذلك جم الفوائد كثير الصلات بالعوائد مشتمل على تراجم وتفاصيل لا توجد في غيره ولم يتعرض لها سواه، وقد خلت الديار من وعاتها وغادرت الطيور وكناتها وكاد كل ما هناك يدخل في خبر كان.
وقد صور المؤلف فيه نبوغ السوسيين في لغة العرب وعلوم الإسلام، وأوضح حرص أولئك البدويين العجم إلا ما زيغ الشلحيين على تفهم الدين وحفظه
والتفقه فيه والقيام بعلومه وأركانه وبين ولوعهم الغريب بتحصيل العربية وحذقها، ونشر علومها وآدابها وإجادة القول فيها وأسهب إسهابا في تفصيل وسائلهم إلى التوصل لتلك المقاصد، وأظهر ما كانوا يعانونه في سبيلهم من جذب الأرض وضيق المعيشة وقلة ذات اليد، وشرح كيف كانوا يكلفون أنفسهم تعلم العربية تحت لهجتهم الشلحية وإتقان قواعدها وحفظ مفرداتها واستظهار كتابها ليأخذوا الدين من منبعه ولينذروا قومهم ويقيموا فيهم شعائره ويحفظوا بينهم كتابه ويلقنوه أبنائهم ويبثوا فيهم
20/ 327