ذوقه من الخرافات التي لا ينبغي ذكرها في كتاب يستفيد منه العموم، فقال ردا على هذا الشعور المتوقع بسطور في آخر المقدمة، تعطيك صورة واضحة عن مهمة المؤرخ النزيه، (هذا وقد يجد من أبناء اليوم مما أكتبه ما يعده من سقط المتاع ومما لا ينبغي أن يهتم به، مما يعده هو عند نفسه في ذوقه من الخرافات
20/ 292
ولكن لا ينسين أنني مؤرخ، وقلم المؤرخ الجماعة كعدسة المصور تلتقط كل شيء أمامها حتى ما تقذى به الأعين، فكما تلتقط الإشعاعات الساطعة، تلتقط الظلال القاتمة، فإن لم يكن قلم من يجمع للتاريخ كذلك، فإنه قلم التضليل والمسن للحقائق، لأن واجب المؤرخ أن ينقل قارئه بوساطة براعته إلى الذي يتحدث عنه، حتى كان القارئ يشاهده عيانا، وأما أن يهذب أو يشذب ويحذف ويزيد حتى يضلل القارئ عن الحقائق، فذلك هو الزور بعينه، ولهذا أحرص أنا في التراجم أن أذكر كل شيء مدحا وقدحا، وإن كنت أعمل فكري وأختار وأرجح، لأن هذه أيضا من وظائف المؤرخ، ولا خير في مؤرخ جماع فقط من غير أن يظهر أثر فكره فيما يكتب) .