إن في كل كتاب –وفي مقدمتها كتاب المعسول- غثا وسمينا، ورخيصا وثمينا، وصدقا ودرا، وتبنا وحبوبا، وذلك ما لا ريب فيه، زيادة على ما سيحتوي عليه من أخطاء، عن جهل أو عن نسيان، واختلاف بعضه عن بعضه، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، لكن بعد إقرارنا لكل هذا؟ ألا تزال هناك أسباب أخرى، ربما كان التمييز بين الغث والسمين من مسبباتها؟ أو ليس أن من ليس في إقليم إذا كان يقرأ بعض تفاصيل أخبار محلية، يعد ذلك كله من الغث؟ أو ليس من لم يكن بأديب يستثقل ما يعدم الأدباء من الروائع؟ أو ليس أن من هو أديب محض لا يستلذ كل ما لا يمت إلى الأدب، وأخبار الأدباء؟ خصوصا ما يتعلق برؤساء وصوفية يزخر بهما مثل هذا الكتاب، أو ليس أن من له ذوق عال لا يستطيع أن يسمع ولو منظومة واحدة من غالب ما في هذا المجموع الذي سقناه للمؤرخ لا للأديب؟
إن النقطة التي تنطلق منها النظرة التي تفرق ما بين الغث والسمين هي نفسية القارئ نفسه غالبا. ولذلك لا أقدم هذا المجموع إلا للمؤرخ وحده الذي يستنتج من السقيم، كما ما يستنتج من الصحيح، ويتشوق إلى أن يعلم عن ذلك الإقليم السوسي، الذي هو أحد أقاليم المغرب كما يود لو يعلمه عن جميع الأقاليم المغربية، وما غير المؤرخ فإنه يعرف وينكر، ويقبل ويرد، ويستحسن ويستهجن، ويستغيث ويستمن، ولكنه إن أقر ما ذكرته آنفا من مقصودي في جمع الكتاب –على عواهنه- فإنه سيجدني موافقه في كل ما يقر عليه حكمه، ومن باع وبين عيوب مبيعه فإنه غير ملوم، ولو أنصف القراء لنظروا إلى الصحيح لا إلى السقيم، و إلى الصواب لا إلى الخطأ ؛ لأن الإنسان مجبول على الأخطاء إلا من عصمه الله ولهذا أعلن أنني لا أبيع كتابي على البراءة، واستغفر الله ما أخطأت فيه فيما بيني وبين الله، أو بيني وبين الناس، وما أنا إلا بشر أصيب وأخطئ، والكمال الله.
20/ 288