لأنه يصب عليهم جام غضبه حين لا يزالون عاضين بالنواجذ على ما يزعم أنه أدب أمشاج كمومياء، لا روح فيه إلا المحاكاة، وإلقاء الألفاظ في بحور العروض بترصيف أو بلا ترصيف، ويقول قد كنا نقرأ ذلك لمن عاشوا قبل هذا الجيل فنقبله منهم، لأنهم عاشوا في عصور لا تعرف إلا ذلك، ومن يكلف أحد أبنائها ما ليس في مستطاعهم من نبوغ في عصورهم، وعلو عما كان معهودا بين أيديهم من غير أن يبعثهم إلى ذلك فكر عال، وشعور وثاب وقريحة جياشة، فقد حكم عليهم بالمحال، وحاول منهم أن يطيروا بلا جناح وأما من عاشوا في هذا العصر الذي انبعثت فيه الآداب العربية كما هي في عصرها الذهبي العباسي، وصرخت بصرخاتها الصاخة، حتى ارتجت بها المسامع، وتهاوت بها من الأدب المهلهل الفقاقع، وحتى أبصر الأعمى الصراط المستقيم، وسمع حتى الأصم كيف يكون الأدب العربي ابن الشعور الحي، لا ابن الأفكار ميتة معانيها كالودع الملقى في سيف كل بحر، وفي متناول كل يد لا قيمة لها، ولا يهتبل بالتقاطها عاقل، ذو عينين من عاش في عصر هذا أدبه المتواطأ عليه، ثم لا يزال يغمض عينيه، وينكر الشمس وينسج
20/ 285
بخيوط العنكبوت، فإنه لا يستحق إلا أن يرفس من فراء هذا العصر خاصة بركلة يتدحرج بها إلى الدرك الأسفل إليه يقود مثل ذلك الأدب المنحط اليوم.