هكذا يعود ذلك الشلحي عربيا مبينا، وقد سلخ عن مسلاخ أبويه، وعادات قومه، ونسي كل ما يسامته، أو يكون على إيمانه وعن شمائله من الشلحيين والشلحيات، يطير كل ذلك عنه، كما طار عن جده الأول كفره يوم حلق دين الإسلام عليه بأجنحته البيضاء، وقد أعار أمس للعرب قلبه وشعوره على عهود أجداده ثم أتبعه اليوم لسانه وذوقه فيستطيب السبح في بحور أشعارهم وآدابهم، كما يستطيب الصب السبح في مغازلة من تيمت فؤاده وملكت عليه مشاعره، كأين من شلحي جزولي تراه في شملته السوسية وفي سحنته الجزولية، لو تكشف لك عما في طواياه، لرأيت أديبا عربيا يمد إليك راحته ليصافحك، كأنما انتساخ الأرواح صحيح، فجالت أرواح بعض الأدباء العربية في العالم، فلم يطب لها أن تتقمص إلا أشباح بعض أفراد من السوسيين الكرام ومن تختارهم الأرواح من علييها. فتعود بهم ثانيا إلى هذا العالم، فلا تختارهم أنت أيها القارئ الذي تحدر جسمه من أصلاب عربية حقيقية، فتقدم إليها يدك، فتشكرهم على ما قاموا به من الجهود الجبارة، حتى حرصوا على لغة آبائك العربية، فحنوا عليها حنو المرضعات على
الفطيم؟
لا يهمنا من هؤلاء الأدباء إنهم مجيدون فيما يقولون أو غير مجيدين، بل هل كل أدباء الحواضر يجيدون دائما، فالإجادة رهن الحظ، ومن بنات البخت وكم من أديب كبير عالم بالفنون التي أتقنها حتى في الحواضر، لا يحسن أن يضم كلمة إلى كلمة عند مناجاة ربه القريض، كما هو المعتاد عن المفلقين في القريض، ولهذا ينبغي أن تكبر من هؤلاء الأدباء الجزوليين هذه الهمم المتحفزة الطيارة التي تقطع جواء فجواء فيحاء واسعة، قبل أن تطل على ما هو الأدب العربي الذي، كان منها بمنزلة السماء السابعة ممن هم في الأرض السفلي.
لا نشك في أن غالب هؤلاء أدباء، ما دمنا نجد الأدب بأنه الإطلاع الواسع على اللغة العربية، والنفوذ إلى روحها المكنونة، والاتصاف بأوصافها تخلقا، حتى
20/ 283