وكن لي خير معين في هذه القضية، فاستنكف من أخذ الرشوة عما كان صمم عليه، فركب فرسا جموحا في هذا العزم، فأبى أن يحني هامته تحت طمع هذا المال الممدود إليه، ثم إنه قاوم جيش ابن هاشم في بومريم فهزموهن كان معه، فكانت كلمته هي العليا فنجت قبيلة أيت وفقا، وما كادت تنجو، لولا هذا البطل المغوار، وقد كان أيضا يستنكر مغرما جباه ابن هاشم قبل هذا الوقت من مرابطي أيت تاغلولو ولكن لما كان
20/ 222
التاغلولوئيون ممن يمتد عليهم نفوذ أداو بعقيل، لم يكن له في ذلك ما يفعل، فكانت هذه الواقعة التي نفذ فيها رأيه على رغم الأنوف، وقاوم فيها الأسد الهصور ابن هاشم، مع كل من انحاش إليه من رؤساء مجاط، هي المنارة التي علا فوقها علمه الخفاق الذي يشاهده كل أحد، ثم بعد ذلك علا كعبه، وأتفى جانبه، فلا يحرش له ضب بعد، ولا يقعق له بشنان.
وكان ممن انتصروا للأشكر الإيغشاني، وأيت ييبورك في الحرب المشهورة بينهم وبين السملالين، وقد كان له من الكرم –كما ذكرناه- أحاديث تطيب بها النواحي وتشنف بها المسامع، فقد ذكرنا أن ذلك هو سبب نبوغه بين رؤساء قومه بعد أن لم يكن ما شاء الله شيئا مذكورا، ولم يكن يطمع من مال أحد، ولا كان يتمصص منه الرؤساء أقرانه، فلا يطمع إلا من كد يده، فجعل الله البركة فيه، حتى كان أغنى غني في قومه، وكان بيده يدرك ما يناهز أربع مائة غرارة فأكثر دائما، مع رباط خيل متعددة بين ذكورها وإناثها، وقد كان من عادته أن يستعدي طلبة القرآن ليقرءوا له ختمة في كل أسبوع من أسابيع رمضان، ثم بعد موته حافظ أولاده على هذه العادة المستحسنة ففرقوها على حساب مواريثهم، فكان أولاده ثم أحفاده إلى الآن في كل أسبوع من أسابيع رمضان لا بد من استدعاء الطلبة عشية آخر يوم من الأسبوع لذلك، ثم يفيضون عليهم من الخيرات ما يفيضون.