قال امتد بي العمر، وطالت أيامي، حتى رأيت والحمد لله راية الكفر قد أنزلت، وراية الإسلام قد رفعت، فإن فرح كل الناس برجوع الملك سيدي محمد يوسف إلى عرشه، فإن فرحي أنا أعظم لما قاسيته في سبيل الإسلام، وفي إعلاء شأنه، وقد نويت أن أطيب بالموت –إن طرقني في عهد الإسلام- نفسا، فأقول الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، فإن كل الذين نشئوا في عهد الاستعمار وتشبعوا بما تروج به بيئة التفرنج لا يمكن أن يدركوا من الرجوع بنا إلى الاستقلال ما يدركه مثلي الذي كان عاش من أول عهد مولاي الحسن 1291هـ، إلى آخر يوم من عزة العهد الحفيظي قبل أن يكشف نوره 1329هـ ثم لم يزل مثلي يجتر كل ما كان يعرفه إذ ذاك، ويكون محور أحلامه وآماله أن يعيش ولو لحظة في يوم من أمثال تلك الأيام، ثم دار الفلك، وطلع السعد، وأشرقت شمس الحرية، واشعت أنوار الاستقلال، فانهزم ديجور الاستعمار، فتفتحت ثانيا عيون الإسلام، وعلا الابتسام ثغور الإيمان، فجاءت الأيام بما هو فوق الأحلام والأماني، فكيف يكون مثلي في هذا الجو المتموج بكل المنى المعسولة؟ بعد تلك الدياجير التي كانت كلها ظلمات مسدولة، أفليس أن مثلي أكثر تقديرا للاستقلال، ولجو الحرية بعد انقشاع الاحتلال؟ فاللهم شكرا، فاللهم شكرا، أقول:
هكذا، يعلن القائد الناجم عما يخامره حين أعلن استقلال المغرب الحر، فعاد وهو شيخهم كأنه ابن عشرين زهوا ومباهاة وابتهاجا، ولا يقدر قدر السلسبيل العذب إلا من كاد يتقطع عنقه عطشا في الفقر اليباب تحت الهواجر في شهر ناجل، ولا ينبئك مثل خبير.
20/ 170
بمثل أمام الملك المحبوب