ومن أخلاقه أيضا الأنفة الزائدة، ولكنها مع ذلك متشحة بالتواضع الظاهر، فكنت أراه يجالس بعض الجهلة من رؤساء هذه القبائل، فيطرق هو إلى الأرض فيبدئون ويعيدون في أحاديثهم التافهة، وهو يلحظهم من عليائه، فيتخذهم كما يتخذ الإنسان أشباح السينما الناطقة، إذ يلحظها وهو على كرسيه مستندا صامتا، يتخذ كل ما يراه من حركاتها ملهى جديدا يمضي به الوقت، أو عبرة يعتبر بها في أطوار الناس، وأنا أعتقد كل الاعتقاد أنه لولا الضرورة لما تركته نفسه يجالس أولئك الجهلة، ولكن للضرورة أحكام.
ومن أخلاقه البارزة أيضا الصمت في المجلس، خصوصا إذا اختلط الناس، فلا يمكن أن تجد منه كلمة واحدة، إلا إذا اقتضى الحال شيئا فيأتي كلامه بمقدار وكثيرا ما يكون هو صدر المجلس، فيستحى منه فيمضي المجلس كله صمتا إلى منتهاه، وقد كان الأخ أحمد رحمه الله على ضد هذا الخلق، فكان في أمثال هذه المجالس ربما يتسار مع من في جواره أو يقوم، وكذلك أنا لا أقدر على مثل هذا الخلق، وتكون أمثال هذه المجالس عندي أطول من ليالي الشتاء، بعد ما ألفت مجالس المذاكرات العلمية الحافلة، وليس هذا الخلق من الأخ ابن اليوم بل هو منه منذ قديم، كما أنه ليس عن تكبر ولا عن تعال على الناس، لأنه خال من الكبر ولا يطرق حماه، وما هناك إلا الأنفة المحمودة من الأحرار، وإنما هذا الصمت جبلي طبع عليه، ويستمده من رزانته الثابتة كثبات الأطواد.
ومن أخلاقه عدم التكلم في الناس، فإنه في ذلك آية الآيات، كما أنه لا ينبس بما في صدره، فيشهد بذلك كل من يلازمه، وبهذا يملك زمام أموره، ومن أعرض عن التقول في الناس، حفظ من الوسواس. 253/2
254/2
هذه نبذة من خلق أخينا، فصلنا بعضها ليعلم التاريخ أنه من الرجال الذين لهم ميزات، فإذا نالوا أمس أو اليوم أو الغد مقامات عليا، فإنهم ممن يزينون المقامات والمراتب بأخلاقهم، لا ممن يتزينون بالمراتب والمقامات.
نبذة من آثار منه وإليه في طوره الأول