أخال القارئ يدرك فيما تقدم كثيرا من أخلاق صاحب الترجمة، فإن القارئ الحاذق يدرك نفسية الإنسان وشمائله من قراءة سيرته، كان الأخ قد عرف من صغره بما ذكرناه عنه من الصبر والتؤدة والتكتم الشديد، فمازالت هذه الأخلاق تنمو فيه وتنمو معها الرزانة، وتمتص من الحوادث المختلفة التي تمر به، ومن المعارف التي تتصل به، ومن عصارة التجارب، حتى أصبح اليوم في إلغ مؤهلا لهذا المقام الذي يشغله، وكأنما خلق له، فظهرت بذلك توسمات الشيخ الوالد الذي استخلفه على أهله، فشبوا كلهم بين يديه، وتربوا جميعا حتى استغنى شارب كل واحد منهم عن المسح، وكان عليهم منذ ذلك النهار إلى اليوم كظلة واقية تحجب لافح الهجير، وتأذن للنسيم، وتحنو على من تظلهم حنو المرضعات على الفطيم، فتحت هذه الظلة شببنا جميعا، وتحت يد صاحبها ترعرعت منا الغصون، فكان ربما يلقى من جفوتنا ما يلقى، ولكنه بصبره لا يعدو أن يغضي، ثم يسير في أداء الواجب عليه، وهو مع ذلك صلب الإرادة إذا عزم على شيء لا يرتد عنه، كأنما تكلم على لسانه رشيد مصوبع شاعر لبنان فيما أنشدنيه بنفسه:
إذا شئت أمرا لم أكن مترددا *** وأقبح ما في المرء أن يترددا
إذا شئت أمرا كان بحرا ركوبه *** جعلت العدا جسرا فسرت على العدا
ومما فيه أنه إذا هوى إلى شيء ورأى فيه مصلحة، فإنه لا يعير لأقوال الناس اهتمامه، وقد كنت أتعجب منه دائما في هذا الخلق، لأنني خلقت على عكسه فيه، وكثيرا ما أزن أفعالي بما سيقال حولها، وكنت أذوب إذا سمعت انتقادا مرا، أعرف فيما بيني وبين نفسي أنه انتقاد حق، وكان هذا الخلق الذي في صاحب الترجمة هو الذي سجله بشار بن برد في قوله:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته *** وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
وسلم الخاسر في بيته المشهور:
من راقب الناس مات غما *** وفاز باللذة الجسور