إنني اليوم غريب في إلغ لا أجد من أتفاهم معه سوى صاحب الترجمة، فتطيب لنا المذاكرة إن تيسر الاجتماع منفردين، فنطرق كل الأبواب بكل حرية وكثيرا ما أحضر في محاورات بين شيخنا سيدي عبه الله بن محمد وبين صاحب الترجمة، فكنت أسكت وأتعجب، فكان صاحب الترجمة يحاور بفكره وبعلمه الذي يستمده من الكتب الحديثة والتاريخية، ومن أحوال هذا العصر الذي يعرفه أتم معرفة، وأستاذنا يحاوره بأقوال الفقهاء من أهل القرون الوسطى، وبما شاهده في بعض التواريخ القديمة، فيكونان بين مشرق ومغرب، وقد كانا ذات يوم يتكلمان حول مصر، فيحتج أستاذنا بما كان طالعه في مثل ( مروج الذهب ) عنها، على حين أن الأخ يدلي بما عليه مصر اليوم، فكان بينهما في التفكير مثل ما بين القاهرة اليوم، وبين الفسطاط التي كان يسكنها الطولونيون والإخشيديون في عصر ( المسعودي ) بين آخر القرن الثالث وأول الرابع، وفي ذهني أن المروج ألفها صاحبها عام 1332 هـ، كنت أرى أمثال هذه المحاورات، فأقول أين أنت يا صاحب ( حديث عيسى بن هشام ) لتؤلف لنا كتابا آخر، بل أنت أيها الشيخ رشيد رضى لتزيد حلقة أخرى لكتابك ( محاورات المصلح والمقلد ).
هذه نظرة حول مدارك الأخ تفهم منها مكانته، وتعرف بها أنه أول الإلغيين تثقيفا عصريا ولكنه يسدل على ذلك ذيلا طويلا من الرزانة والصمت الطويل العريض ما لم يصادف من يعرف عنه ما يقول. 251/2
252/2
أخلاقه: