تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال لي بسرعة: هكذا تكون المراثي، لا تلك التي عنيت أنت بها، فما زدت على أن قلت له، إنني كمؤرخ اجمع كل ما وصلت إليه يدي – فإن لم يكن ما نريد، فلنرد ما تكون – ثم إن الزمان متكفل بغربلة ما يقدم له، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ولكن الجواب الحقيقي الذي عندي إذ ذاك لم أذكره، وهو أن مقصودي من كل هذا أنني أخاف أن ينقطع العلم العربي في ( إلغ ) إن لم يعجل الله بتبديل الحالة، وقد طلعت علينا في هذا الجيل أمارات ذلك الانقطاع، فأردت أن يبقى في التاريخ ما يدل على أنه كان مرهنا عصر كانت فيه العربية مزدهرة بعلومها وأدبها، ولا أزعم أن هذه القصائد كلها جيدة، كما لا أحسب أنها كلها رديئة، لا تجد بين أدباء اليوم أو الغد من يمد لها يد القبول، ولكني أجمع ما يكون مجموعه مفخرة إلغ العالمة الأدبية التي شاركت بقدر ما تستطيع في المحافظة على الأدب والعلم العربي إلى أواسط هذا القرن، ثم لا يضيرها أن لا يكون علماؤها كفريد وجدي والطنطاوي جوهري ومحمد عبده والألوسي والشيخ شعيب الدكالي، كما لا يضيرها أن لا يكون أدباءها وشعراؤها كشوقي وحافظ والزهاوي والرصافي والمنفلوطي وزكي كبارك والعقاد والمازني والشابي، فإنه لا يمكن عند حصيف عاقل أن يوازن بين علمائنا وأولئك العلماء، ولا بين أدبائنا وأولئك الأدباء، لأن البينتين مختلفتان مفترقتان، لكن من وازن علماء إلغ وأدباءها بمن كانوا في مثل بيئتهم في المغرب، قبل أن يعلم هذا العصر، وقبل أن يطلع على الناس بأعاجيبه ومخترعاته وأفكاره، فإنه يجد في كفة الإلغيين رجحانا ليس بقليل، ثم إن تأمل العقبات التي يقطعها الشلحي الذي لم يلك الكلمة العربية الأولى ولا تفهم معناها إلا بعد أن يبلغ الحلم، ثم لا يزال مكبا صبورا على التفهم حتى يتشرب معاني العربية وآدابها، حتى 250/2

المعسول · الصفحة ٨٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٨٧٦