تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا كله قد حصله الأخ تحصيلا تاما بدرسه وحده، وزد على ذلك علم التاريخ القديم الإسلامي، مع الإلمام بغير الإسلامي إلماما ما، فقد التهم كتبا كثيرة في علم التاريخ الأجنبي، كما طالع أيضا من تفسير الطنطاوي جوهري، وهو أول من أدخله إلى تلك الجبال، فاستوعب من الأفكار التي ذكرها فيه، وعرف تلك النظريات العليا، التي يوالى الأستاذ سردها بمناسبة وبغير مناسبة، وقد اختلط فيها الغرب بالشرق، والعصر القديم بالعصر الحديث، ونهاية أفكار الجامدين المتوقفين، ببداية أفكار العصريين المتجرئين، الذين لا يزالون يخبون إلى الآن ولما يمكن لقائل أن يقول أن هذه نهاية أفكارهم، كل ذلك مر به الأخ، وهضمته فكرته، فكان له بكل ذلك ثقافة عالية ممتازة، نتجت له استقلال فكر يأبى به أن ينقاد إلا لما يعرف، ثم جاءت رزانته وتؤدته واكتتامه العجيب الغريب، فجعل دون ذلك كله حجابا مستورا، لا يبدي منه صاحبه إلا بمقدار جليسه، إن كان يصلح للخوض معه في ذلك، وإلا طوى ذلك طي السجل للكتاب، هذا مع ذوق أدبي عال، سمعت منه يوما انتقادات وقفتني مشدوها من هذا الرجل الذي يجهل الناس قدره، وبقى هنا لقى كسقط المتاع، وشيخا من شيوخ القبائل لا أكثر ولا أقل.

كان الأستاذ سيدي الطاهر بن علي يوما يسرد عليه قصيدا قبل أن أدخل، فانتقد عليه فيه انتقادات لم استحضر منها الآن ما يذكر، ثم لما دخلت عليهما ناولاني القصيدة، فصرت أتلوها وحدي وأكتب في حاشيتها ما ظهر لي من الانتقادات، فإذا غالبها سبقني بها الأخ من قبل، وسمعته مرة يقول: إن الشعر الإلغي الذي تسمونه شعرا ليس بشيء، ولا روح فيه، وهي عبارات تكررونها بأوزان مختلفة، وكلها أمداح مزخرفة، فيها من المبالغات ما تعد بها سمجة، وزيادة على ذلك إنما هي كلها تملقات يعلم القائل والمقول فيه أنها رياء وسمعة وكذب وبهتان، فإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أن من يعد مثل هذا شعرا 249/2

المعسول · الصفحة ٨٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٨٧٤