رأيت نبذة من حياة الأخ، وأبصرت الميدان الذي تركه فيه الوالد، ولم يزل يترجرج في أراجيح الأقدار حتى أصبح في ميدان آخر، والإنسان مصير لا مخير وليس معنى هذا أنه طلق ميدان والده، فإنه لا يزال معنيا بأصحاب والده، ولكنهم اليوم كادوا ينقرضون بالموت، ومن كانوا لا يزالون في الحياة، تشتت غالبهم بتصاريف الأقدار، وتتبع المعاش، ولا يزال بعضهم يتردد إلى الزاوية خصوصا في المواسم، وهو يقابل كل من يجيء بالوجه الذي يعرفه منذ عام 1328 هـ، وشاهدت أيضا ما ذكرنا عن مآخذه، فرأيت هناك أن المطالعة صارت من أحب الأشياء إليه، وأنه وحيد في ذلك لا في إلغ فقط، بل في جميع الأطلس الصغير، ثم من باب المطالعة هذا نمت مداركه بتدرج، وتزايدت شيئا فشيئا حتى أصبح مثقفا ثقافة عليا.
بعد 1340 هـ، اتصل بالكتب العصرية الشرقية، فأقبل عليها كل إقبال 248/2
249/2، فدرس بواسطتها حالة العالم اليوم وأمس، وأدرك فيها علم الجغرافية الذي درسه وحده دراسة تامة، حتى أنني كثيرا ما أختار الصمت أمامه إذا كان يجول في أحوال الأمم اليوم، لنقص دراستي عن دراسته في هذا الفن، وكل من له إلمام بمنزلة العلوم وفوائدها، يعلم حق العلم أن فائدة الجغرافية عظيمة جدا، فإذا كان النحو يصلح لسان الإنسان، والمنطق يوجه عقله وجهة متزنة لا خبط فيها، فإن الجغرافية تصقل مرآة العالم بها، بعلومها المتنوعة المختلفة التي تتركب من التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد وغيرها، فتكون له بمنزلة مجهر يضعه على عينه، فيرى قريبا ما كان يراه غيره بعيدا، فإذا به أصبح قريبا عنده كأنه في متناول يده، وخصوص إذا ألم الإنسان مع ذلك بما وصلت إليه الحالة اليوم، مما لا يصلح أن يعبر عنه إلا بقول أبي تمام:
على أنها الأيام قد صرن كلها *** عجائب حتى لبس فيها عجائب