قضى الأمر، ووقع ما كان يتوقعه من يسمون أنفسهم العقلاء منذ عشرين سنة ن وكان عندهم تأخره من خرق العادة، وهذا هو مقياس العقل والنوك، ولكن أبى الجهل والنوك إلا أن يسودا في المغفلين الذين تخطوا كل ما أمرهم به الدين من الاستقامة في هذه القرون الحاضرة، ومن الاستعداد بالعلم الصحيح، والفكر المتزن، وبالعدد الحربية التي تفلح الحديد بالحديد، فليت شعري كيف يتصور أن تمتنع شرذمة قليلة جاهلة متشاكسة فيما بينها دائما، لم تعرف من سنن الكون ولا من مخترعات العصر، ولا من سياسته شيئا، بل لم تسمع قط بإثارة من ذلك، بل لا تصدق به ولو سمعته، هذا ما يقوله هؤلاء العقلاء، وأما أنا فأقول: إن أهل تلك الجهة مع كل هذا يجب أن يعرف لهم 245/2
246/2 التاريخ تلك المقاومة المتسلسلة طوال اثنتين وعشرين سنة، من 1331 هـ إلى مختتم 1353 هـ وهم وإن لم يتسلحوا بالتسلح العصري، فقد تسلحوا بغيرة استمدوها من التقاليد، أفيقبل أدنى مسلم – وإن لم يكن إسلامه إلا صوريا – أن يخضع عن طواعية لأجنبي يتحكم فيه، كلا، فإن ذلك خصوصا من أهل ذلك الجيل هو الموت الزؤام بعينه، وهذا هو أحد الأسباب التي تأخرت بها تلك الناحية ثم لم تحتلها الجيوش الحكومية إلا بعد أن احتلت كل القمم في الأطلس الكبير، فليحفظ التاريخ، وليسجل أن آخر معقل سقط أمام الاحتلال هو معقل الأطلس الصغير بسوس، ثم لم يسقط إلا بعد أن طوقته الجيش من جميع النواحي تطويقا تاما، ثم دهمته وتخللت شعابه، حيث تستسلم كل قبيلة على حدة، وتحط أمام قائد الحملة السلاح الذي يتقلده كل واحد، من البندقية إلى الخنجر، وذلك كله من غير محاربة مجدية في ذلك الوقت الذي طوق فيه الجميع.