174/18 أن أجيب عنه بالمشافهة والمكاتبة، وقرأت عليه كتاب ( الأنوار السنية ) في اختصار صحيح الآثار، للإمام ابن جزي، وكتاب ( الشفاء ) لأبي الفضل عياض، وكتاب ( المنهاج ) للغزالي قراءة بحث وتحرير، وكان ينبه على كثير من الأسرار والغوامض فيها، مع ما يضيفه لذلك من حكايات الأولياء، ومباحث الحقيقة المستغربة، ونكت أسرارها المستعجبة، وكثيراً ما كنت أتمثل في أثناء ذلك بقوله:
ولما أنختها بذي الرمث واللوا *** وجاوزت أعلام العقيق ورائيا
نزلت بوادي الجزع والأيك ناعم *** غضيض وصادفت النسيم اليمائيا
وأرض ثراها المسك والنبت مندل **** ورند وكافور وقد كان عاريا *
فقلت أرى الوادي خصيبا وماؤه *** أرى النور في ضفيه يعلوه صافيا
فقيل سعاد أقبلت بين سربها *** وخاضته حتى صار بالنور حاليا
ولما بلغت قوله في ( المنهاج ) ( وقد رأيت بمكة حرسها الله بعض المشايخ المنفردين من أهل العلم وهو لايحضر المسجد الحرام والجماعات مع قربه منه، وسلامته في حاله، فحاورته في ذلك يوماً في حال ترددي إليه فذكر من عذره ما أشرنا إليه وهو أن ما يجده من الثواب، لا يفي بما يلحقه من الإثم والتبعات في الخروج للمسجد ولقاء الناس ) قال: آخذ بقول هذا الشيخ، وأعتزل الناس وأدخل عنهم، فقذف في قلبي أنه ورى بقرب أجله، فتمثلت بقول الشاعر وكان ذلك عشية:
تمتع من شميم عرار نجد *** فما بعد العشية من عرار