تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث مرة أن وقع بين القاضي سيدي موسى وبين الباشا الأستاذ محمد بن عبد الله الشنكيطي تنافر بسبب بعض المترددين بينهما بالنميمة ثم اتفق أن ألقى أعوان الباشا القبض ذات ليلة على سيدي محمد ولد القاضي، وكان من رفقائي في الكتاتيب القرآنية ومن قرنائي، فلما علم القاضي بالأمر في الصباح، اغتم كثيراً لما حدث، فأراد بعض أولئك النمامين اغتنام الفرصة لألهاب غيظه على الباشا، فقال له: إن فلانا - يعنيني - كان حاضرا معه، فلماذا لم يقبضوا عليه ؟ ومع أن سبب إلقاء كان وما يزال مشكوكاً فيه، فقد نسى هذا النمام المغفل أنه أكده للقاضي ضمنا فيما قال، فلما بلغني ذلك تجردت لذلك النمام فرددت عليه بما ساءه وزجره، ثم دفعتني حدة الشباب، وغرارة الصبا، إلى أن كتبت إلى القاضي سيدي موسى رسالة أتنصل فيها مما بلغه، ولكنه كان تنصل الطيش والغرور، إذ كان جريئاً وقحاً ليس مما يناسب مثله، فلما ألقيت الرسالة في صندوق البريد، وجريت إلى غاية الشوط في غضبتي تنبهت إلى أنني تسرعت وتدخلت في أمر لا يعنيني، إذ أدركت أن القاضي لا ذنب له فيما قيل، إذا ليس للإنسان ذنب فيما تلتقطه أذنه عرضا بلغ مني الندم مبلغاً لا مزيد عليه، فحاولت استرجاع الرسالة من البريد بواسطة صديق لي موظف فيه، ولكنه اعتذر بأنه خاف عقاب المدير الفرنسي فضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، فلما اعيتني الحيلة هرعت إلى المترجم سيدي أحمد، فوصلته في هاجرة يوم شديد الحر، فوجدته وحده في دهليز داره بدرب ( جدهم ) جالسا على كرسي من خشب، وعمامته على ركبته، وفي يده كراس يطالع فيه بعض دروسه اليومية الخاصة، فقال لي ما الذي أتى بك في هذه الساعة ؟ فقلت له: أمر جَلَل، فقام رحمه الله ودخلنا أحد البيوت، فقال إن أحوالك غير عادية فماذا حدث ؟ فلما قصصت عليه القصة، قال لي ببرودة: قم يا صبي إلى حال سبيلك، إن القاضي سيدي موسى لا يبالي بالرجال، فكيف يبالي بألاعيب الأطفال، وأبشرك بأنك إن شاء

المعسول · الصفحة ٨٤٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٨٤٩٦