تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51/18 لم أر سببا للشق، ولا أستطيع أن أبتدئ جراحة لا أعرف نهايتها، فأكون كمن دخل مغارة مظلمة لا يعرف المخرج منها، وإن مثانته الآن قد تنظفت مما كان فيها من عفونات، فما عليه إلا أن ينصرف إلى حال سبيله، ومتى تجدد عليه شيء فليعجل بالمجئ إليَّ، وعين له اليوم الذي سينصرف فيه.

فلما حان يوم الانصراف استشارني في أجرة الطبيب، فقلت له إذا طلب شيئاً فذلك هو الأجرة، وإذا لم يعين لك شيئاً فاعطه عشرة ألف فرنك، حتى ترى ما سيقول، فلما سألت الطبيب عن الأجرة، قال لي قل للأستاذ إن المراقب المدني حاكم ( حاحة ) وجه إليَّ تقريراً عنه، أخبرني فيه بأنه ليس من القضاة الأثرياء، وأنه ليس من أصحاب الرشا، وبناء على ذلك فإني لن آخذ منه شيئاً، وإن من سعادة الإنسان أن لا يزال يرى أمثال هؤلاء في هذا العصر، فلما أخبرت المترجم بذلك تأثر واستحيا فأخذ العشرة آلاف فرنك، وصار يحاول أن يدسها في جيب الطبيب ولكن الطبيب - وكان أجسم منه وأطول - يدفعه عنه، فصارا يتدافعان كذلك على طول الغرفة مرتين أو ثلاثاً، فلما رأيت ذلك نبهته إلى أن ينكف عن مدافعته الطبيب بالدراهم، وأن يعلم أن ذلك بفضل الله تعالى، فانكف وجعل يشكره، فقال لي الطبيب: قل للأستاذ: إنني سأطلب منه طلبا واحدا، وهو أن يزورني متى ساقته الأقدار إلى ( الرباط ).

فلما رجع إلى ( تمانار ) بعث إليَّ للدار البيضاء بقدر من عسل جيد تسع نحو ستة أرطال، وطلب إبلاغها إلى الطبيب، فلما أبلغتها إليه، شكر مرسلها.

المعسول · الصفحة ٨٤٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٨٤٩٣