يقول ذلك. ثم اعتراه أمامي حال كساه مهابة جليلة، ونورًا مبينًا، وقد وصفوه بأنه كان سكوتًا لا يبدأ بالكلام ما لم يُسأل، ساكن الحال، وقورًا ثابتًا رزينًا، وكان يصوم الخميس والاثنين دائمًا.
اتصل بشيخه هذا في شعبان عام 1305هـ متوجهه إلى الحج، ففي تلك السفرة انخرط الأستاذ عبد الله الركراكي مع كثيرين من تلاميذه في سلكه، فكان منهم المترجم، ثم صار بعد ذلك لا ينقل قدمًا إلا بإذن شيخه فبإذنه اقترن وشارط، ولم يكن يفتر عن السفر إلى (ألغ) كما أن شيخه يمر به دائمًا متى ساح إلى (أزاغار)، وله عنده مكانة مكينة، وللشيخ إليه [ 14 / 128 ] رسائل لكنني لم أتوصل الآن إلا بهذه الرسالة، ونصها: (من خديم الفقراء علي بن أحمد الدرقاوي إلى الأخ في الله سيدي مبارك، السلام عليك ورحمة الله (وبعد): فالفقير من يعلق دائمًا همته بما يريده منه خالقه، فلا يهزه صرصر ولا يزعزعه وإن اختلف الملوان، فكن له عبدًا يكن لك ربًا، قم له بما يريد يكن لك كما تريد، من أراد أن ينظر منزلته عند الله، فلينظر منزلة الله عنده، فدع عنك ما قلت إنه يعترض لك من الخوارق، فإنما هي قواطع خصوصًا إن كنت تلتفت إليها في سيرك، فماذا يريد الفقير الصادق من مثلها، فإنه لو خرق له من العوائد ما خرق، فإن ذلك لا يخرجه من دائرة العبودية، ولا يفلته من أداء الحقوق التي عليه، وكل فقير تراه يتشوف إلى المنامات أو الكرامات أو النور يجده في بصره أو في بصيرته، فإنه لم يخلص بعد وجهته لربه، ورضي الله عمن قال:
ومهما ترى كل المراتب تجتلي ... لديك فحل عنها فعن مثلها حلنا