رأيت فيما كنت كتبته من سنين كثيرة من أخبار المترجم، ومن آثاره ما تفهم منه مكانته في الأدب، وفي همته المتعالية إلى المجد العالي، وقد أتته السنون التي تلت: 1361ه، بمراتب له عالية، فقد علا شأنه في محكمة الشرع بـ (تزنيت) وتصدر للإفتاء، وكان قطب العلميات، بـ (تزنيت) والأيام المتوالية لا تزيده إلا ظهورًا، وقد تزوج امرأة أخرى من أحدى الأسر المثرية في هذه المدينة، فتكونت له هالة حضرية، ثم داخل الرؤساء هناك فيقبل ويدبر، ولا هم له إلا الشفوف على الأقران، بكل إمكان، ثم طمع أن يلتحق بدار المخزن بـ (الرباط) فصار يفتل ذلك من الذروة والغارب، وهو ما بين (الرباط) و (تزنيت) لا يغب ذهابًا وإيابًا، وهو من أهل العزائم، والعزائم إذا صمدت فيما قصدت، أدركت 390/13
391/13 أهدافها واقصدت.
وقد كنت تكلمت مع الرئيس في الاستئناف إذ ذاك شيخنا سيدي المدني بن الحسنى، فوعد أن يبذل جهده، وكذلك كان يعين غيرى المترجم في منتهى أربه هذا، ولسان حاله ينشد:
*يا مطلًبا ليس لي في غيره أرب *** إليك آل التقصي وانتهى الطلب
وكنت أقول له: إنك ستنال مرامك بحول الله، لأنك أهل لكل منصب فيه شفوف، ولكل مقام عال، ثم إن ذلك تيسر له بفضل الله الكريم، فالتحق بمجلس الاستئناف، فلم ينشب لتمكنه في الفقهيات أن تعين من المبرزين هناك، يذكره كل أهل المجلس بتفوق واستحضار، والرجل حقيقة جدير بالثناء على الفقهيات التي له فيها باع طويل، وقد كنت قبل هذا الهد وصيته أن يجمع كل ما أمكن من فتاوى الفقهاء السوسيين، كمعيار سوسي، فقطع في ذلك أشواطًا، فقد أمكن أن يجمع ثلاثة مجلدات كبار في وقت قصير، ثم شغل عن ذلك بهذه الوظيفة الجدية التي اندفع إليها اندفاعًا ملك عليه كل أوفاته، لأنه يراها المصدر الوحيد لمجده ولأقواته.